استهلال العدد الخامسالعدد الخامس

الاستهلال – العدد 5

 

من أهمِّ المزايا التي اتَّصَف بها تاريخُنا العنايةُ بفَنِّ التَّراجِم، حيث ترجَم المؤرِّخونَ للأعلامِ الذين كان لهم شأن في العِلم والسياسة وغيرهما من مجالات الحياة، فذكروا تفاصيل حياتهم وشيوخهم وتلامذتهم، ومستواهم العلمي، وإنجازاتهم، وسيرتهم في الحياة، فخصَّصوا للحديث عن الأعلام الأسفار الكثيرة المُطوَّلة والمُوجَزة، وبَلغت عنايتُهم بالتَّراجِمِ حدَّاً جعَل بَعضَهم يُطلِق علمَ التَّاريخ، وهو يُريد فنَّ التَّراجم، فلو أخذنا مثالاً كتاب: تاريخ مدينة دمشق للمؤرِّخ ابن عساكر (ت 571هـ =  1176م)، الَّذي ضَمَّ ثمانين مجلَّدة، فسنكتشف ببساطة أنَّه ليس سوى تراجم للشَّخصيَّات التي لها علاقة بمدينة دمشق، بينما خَصَّص نصف مجلدة فقط لوصف المدينة وخططها وتاريخها العمراني، وهذا ينطبق على كتب أخرى كثيرة.

وبما أنَّ كتب التَّراجم تُشكِّل الرَّكيزة الرَّئيسة لأي بحث على اختلاف العصور حتى يومنا هذا، فإنَّ فنَّ التَّراجم قد أسهم بنصيب وافر في كتابة التَّاريخ العربي الإسلامي منذ بدايته، مروراً _ وبشكل أقل _ بالتَّاريخ الحديث والمعاصر، وهذا الفنُّ يُعنى بحياة الأعلام المُبرّزين، وإنتاجهم، وإسهاماتهم في نواحي الحياة، كالقادة والملوك والرُّواة والعلماء والأدباء والأطبَّاء والسِّياسيِّين والمُفكِّرين … إلخ.

ومع مرور الزَّمن استطاع هذا الفن أن يَظفر بمكانة رفيعة في التَّاريخ، وشغلت كتب التَّراجم المساحة الأكبر فيه، فصار فنُّ التَّراجم سمةً مميَّزة غالبة على فنون الكتابة التَّاريخية، بحيث إنَّه لو لم تُوجد كثير من كتب التَّراجم، لأُصيب التَّاريخ بثغرة واسعة لا يستطيع أحد سدَّها.

ولا غرابة _ بعد هذه الأهمية لفن التَّراجم _ أن يكون الإنتاج الأكبر في تاريخنا عنه، إذ أضحت مؤلَّفاته هي الأكثر عدداً، والأفضل ضبطاً، والأكثر سعة، والأضخم استيعاباً، والأعم نفعاً، وهذا أدَّى إلى حفظ الصُّورة الفكرية الثَّقافية لتاريخنا، فنقف على شبكة من العلماء المُترابطة، ما بين شيخ وتلميذ، وتلميذ للتِّلميذ، وما بين معاصر وآخر، قد سُجِّلت من خلال آلاف التَّراجم.

ومن هذا المنطلق، وللأهمية القصوى لفن التَّراجم، فإنَّنا ارتأينا أن نُخصِّص عَددين من مجلَّتنا على الأقل، لتراجم من أعلام دمشق وأعيانها في العصر الحديث والمعاصر، خاصَّة تلك الشَّخصيَّات التي لم تنلْ حقَّها من التَّعريف، مع أنَّها شخصيَّات مهمَّة ذات مكانة مُعتبرة، أنتجت مؤلَّفات أو قدَّمت أعمالاً ذات قيمة كبيرة، وكان لها الأثر الكبير في تاريخ مدينة دمشق، ونكون بذلك قد سَددنا ثغرة في فنِّ التَّراجم.

وعليه؛ فإنَّ مجلة تاريخ دمشق تدعو كلَّ من يرغب في مشاركتنا هذا الهدف أن يختار شخصية دمشقيَّة ويُترجِمَ لها، لنُحقِّق _ قدر الإمكان _ هدفاً سامياً، ونُسهم في حياكة النَّسيج التَّاريخي لهذه المدينة العريقةِ في القِدم.

اقرأ في هذا العدد أيضاً :