رأي

وقفة مع نزار قباني

| الدكتور نور الله قدورة

أسباب عديدة تلك التي وضعت أشعار نزار قباني في مقدمة معاصريه، ليس شِعر المرأة أهمها كما يُخيلُ للكثيرين. فعلى الرغم من تمرسه في هذا الباب من أبواب الشعر، إلا أنه لم يكن متفرداً به من دون بقية شعراء عصره. عمر أبوريشة نافسه في غزل المرأة، كذلك فعل أمل دُنقل، وحافظ ابراهيم، وابراهيم ناجي، وغيرهم .

ينطبق ذلك على شعره السياسي أو الملتزم، والذي أوقفَ أكثره على انتقاد الحكام العرب ورجال الدين أكثر من الولوج، بعمق، إلى قضايا الأمة العربية المشبعة بالهزائم والتناقضات، والتي بزّهُ فيها على سبيل المثال لا الحصر:  شوقي، وأبوريشة، ودنقل ، والأخطل الصغير، والرصافي، وسليمان العيسى، ولاحقاً، مظفر النواب ومحمود درويش .

حتى من الناحية الفنية والنقدية، فشعر نزار لا يعد من أجود الشعر، ولا أعلاه، إذا ما قورن بشعر الجواهري، وشوقي، والأخطل الصغير. فهؤلاء ملكوا أعنّة الشعر العربي، ومخروا عباب بحوره، واستوعبوا مكامن البلاغة فيه؛ حتى ليحسب من يقرأ أشعارهم أنه يقرأ لأشعار القدماء، جاهليين، وإسلاميين.

مكمن قوة نزار تكمن في أنه اختط لنفسه منهجاً مغايراً عن أقرانه من المعاصرين؛ فاعتمد أليفَ اللفظ، وابتعد عن غريبه، وانتهج المباشرة في أغلب قصائده، من دون تسخيف أو إسفاف، وانتقى من بحورالشعر، وتفعيلاته أكثرها حيويةً وموسيقيةً؛ فاعتمد في معظم شعره على تفعيلات بحور الرجز، والمتقارب، والرمل، والمتدارك، وابتعد عن الطويل، والبسيط، وغيرهما من بحور الشعر الصعبة المراس، إلا فيما ندر.

عبقرية نزار اتضحت أكثر ما اتضحت في توظيفه للمرأة بشعره؛ فأخرجها من الأدوار النمطية التي اختصها بها الشعراء الآخرون، واقتصروها عليها: كأدوار الصد، والهجران، ونكران الحبيب العاشق، وغيرها من الأدوار المكرورة الأخرى، إلى أدوار كانت المرأة بها فاعلاً حقيقياً، لا مجرد انعكاساً لعاطفة الشاعر وانفعلالاته وتأوهاته؛ فالمرأة في شعر نزار متمردة تارة، كما في قصيدته الرائعة : ” يوميات امرأة لا مبالية”، وعابثة، كاذبة كما في قصيدة ” مايا”، وهي لينة، سهلة القياد، كما في ” سمراء”، وهي مِثلية، كما في ” القصيدة الشريرة”، وقديسة، في ” خمس قصائد إلى أمي”، وبطلة حقيقية، في” جميلة بوحيرد”.

للمرأة أيضاً في قصائد نزار بطولة حقيقة، تفتعل الأحداث، لا تتفاعل معها فحسب، ترقص هنا، وتقفز هناك، تُقتل حيناً، وتَقتلُ أحياناً.

في قصيدته “ديك الجن الدمشقي”، يقوم نزار بعبقرية بجعل المرأة المقتولة  قاتلة لمن قتلها حين يقول: ” أنتِ القتيلةُ أم أنا / حتى بموتكِ ما استرحتُ/ حسناءُ لم أقتلكِ أنت وإنما.. نفسي قتلتُ”.

شواهد كثيرة ترسم ملامح العبقرية في شعر نزار، أقلها الجرأة في الطرح، وأهمها، برأيي، الأسلوب المبتكر الذي ابتدعه، والذي راعى فيه فهم عموم الناس لا ذائقتهم وحسب؛ فهو لم ينحدر لسوية “الجمهور عاوز كدة”، وبذات الوقت لم يترفع عنه ليسكن برجاً عاجياً كما فعل غيره من الشعراء، والمثقفين ( كأدونيس، وأبوريشة).

انطلاقاً من هذه المعادلة الصعبة، وتلك الخلطة الفريدة، استطاع نزار أن يحتل مرتبة أولى في وجدان وعقل قرائه، وبهذين الجناحين، الجودة والسلاسة، استطاع أن يحلق عالياً جداً، استطاع أن يكون نزار قباني.

يبدو نزار قباني، في الظاهر، متناقضاً، ومشوشاً سياسياً، فهو عروبي، ولكنه لايحب العرب. قصيدتا “بلقيس”، و “متى يعلنون وفاة العرب” تفضحان كرهه للعرب، وأما عروبيته؛ فإنها تتجلى في رثائه المرير لجمال عبدالناصر، وانتصاره لبني أمية.

ليس سهلاً أن ترى مكاناً خاوياً كان يمكن لنزار أن يحتله لو أنه كان شاهداً على أحداث الربيع العربي. فمن قراءتي الطويلة للرجل أقول: أن نزار ليس شاعر الإيديولوجيا، ولكنه شاعر الضحية؛ فهو مع الضحية أياً كانت وأينما كان موقعها. وهوأيضاً، ضد الجلاد أياً كان هذا الجلاد، ومهما كانت أهدافه. ومع ذلك، فنزار شديد التعصب لدمشق، يكاد أن يكون عنصرياً في هذه الجزئية.

من هنا أستطيع أن أدّعي بأن نزار لن يدافع عن ضحية أخرى غير دمشق. نزار كان ليبصق على كل معتقداته، وكل ما دافع عنه، لو أنه رأى أن دمشق في خطر. كان سيعانق الشيطان ذاته كرمى لدمشق. دمشق هي الوجه الحقيقي لنزار، وكل ماعدا ذلك فهو، كما قلت، قد يبدو متناقضاً، ومشوشاً سياسياً لأبعد الدرجات.

 

هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ

إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ

أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي

لسـالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ

و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم

سمعتم بها أصوات من راحوا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق