رأي

ميمونة عبيد… صديقتي

سامي مبيض

كل صباح يقع نظري على شاخصة زرقاء وُضعت في نهاية الشارع الذي أُقيم فيه بدمشق، كُتب عليها “جادة ميمونة عبيد”، أعترف أني لم أسمع بهذا الاسم من قبل، وكنت أظن ذلك ناتجاً عن جهلي أنا، فلعلّها أميرة من التاريخ القديم فاتني اسمها، أو إحدى رواة الحديث في زمن الرسول، أو شهيدة من شهيدات الوطن، سقطت بين الأعوام 1948-1973.

قررت أن أبحث عن “ميمونة عبيد” في كتب التاريخ، من باب الفضول، ومن منطلق أن اسم هذه السيدة المجهولة بالنسبة لي موجود في شارع بيتي، وفي وسط مدينتي، فكيف لي أن لا أعرف عنها شيئاً؟ استعنت بمحرك”غوغل،” واسع الاطلاع والمعرفة، وبحثت عنها بثلاث لغات، العربية والإنجليزية والفرنسية، ولكنّي لم أجد لها ذكراً بالمطلق، فاتصلت بعدد منالأصدقاء أعلم مني بالتاريخ الإسلامي، منهم خطيب الجامع الأموي ورئيس مجمع الشيخ أحمد كفتارو، الشيخ شريف الصوّاف، والأستاذ في كلية التاريخ بجامعة دمشق، الدكتور عمّار النهار، فقالوا إنهم لم يسمعوا بها من قبل. قمت بتطوير البحث، كما نفعل عادة مع “غوغل،” واتصلت بالأستاذ الدكتور سهيل زكّار، الذي أوصلني إلى نفس النتيجة: لا يوجد ذكر لسيدة تدعى ميمونة عبيد في كتب التاريخ القديم، وإن وجدت فهي مبهمة ومجهولة.

لعل المقصود كان “عبيد بن ميمونة” وهو من رواة الحديث في المدينة المنورة،أسماء الشوارع لها شرح قصير، حتى “شارع مصر،” الذي تُعرفنا المحافظةعلى اسمه بأنه “قطر عربي شقيق.” ولكن المحافظة لم تشرح لنا من هي “ميمونة عبيد” وما أهميتها في التاريخ ليكون لها جادة في أقدم مدينة مأهولة على وجه الأرض.
وأخيراً، اتصلت بمحافظة دمشق، المحافظ، وجاءني الجواب الشافي والوافي: “ميمونة عبيد هي شهيدة من شهداء الثورة السورية الكبرى، استشهدت في المعضمية عام 1925، ووضع شارع باسمها عام 1999.”
المحافظة مشكورة على هذا الشرح طبعاً، وعلى تكريمها أشخاصاً عاديين وغير معروفين، لم تذكرهم كتب التاريخ ولم يعطهم أحد حقهم. ولكن شوارع الشام كثيرة، بتفرعاتها وأزقتها وجاداتها، وإن وصلوا إلى “ميمونة عبيد” في تسمياتهم، فيجب أن تكون القائمة قد شملت كثيرات من قبلها، مثل “نازك العابد” مثلاً، مؤسسة “جمعية يقظة المرأة الشامية” وصاحبة مشروع “النجمة الحمراء” التي سبقت منظمة الهلال الأحمر، أو “قمر قزعون شورى” مؤسسة الهلال الأحمر. أو بنت حي القيمرية “أليس قندلفت،” أول مندوبة سورية في الأمم المتحدة، أو الأديبة الكبيرة” ألفت الإدلبي”، صاحبة “دمشق يا بسمة الحزن.” حتى “أسمهان”، أو “الأميرة آمال الأطرش،” ألم يحن الوقت لاسترداد حقنا (نحن السوريين) بها وبشقيقها الأمير فريد الأطرش؟ طبعاً، لا مانع من تكريم الأحياء قبل الأموات، مثل غادة السمّان وكوليت خوري وسهام ترجمان، أو حتى منى واصف. وحدهم نزار قباني وعفيف بهنسي حظوابشوارع بأسمائهم وهم على قيد الحياة.

هناك عرف قديم في سورية توارثه الحكام منذ عهد الاستقلال، يمنع تسمية أي شارع باسم شخص أجنبي شاركت بلاده في استعمار بلادنا، قديماً كان أو في العصر الحديث. وحده “شارع جواهر لآل نهرو،” يمرّ بوسط دمشق، سُمي بذلك عند زيارة الزعيم الهندي الكبير دمشق لأول مرة عام 1957، وهو لم يكن غازياً أو محتلاً، بل صديقاً للشعب السوري. فعلى عكس لبنان، لا يوجد شارع “هنري غورو” في دمشق، الجنرال الفرنسي الذي دخلها محتلاً قبل قرابة المئة عام، ولا شارع باسم خليفته “ماكسيم ويغان.” ولكن اللبنانيين أطلقوا أسماء شخصيات عالمية على شوارعهم أيضاً قدمت الكثير للحضارة العالمية، مثل “شارع مايكل أنجيلو” خلف الروشة، أو “شارع المهاتما غاندي” الموازي لمنطقة المنارة. لا أعرف إن كانت دمشق ترغب بشارع باسم “توماس إديسون” مثلاً، أو “لوناردو دافينشي،” أو حتى “ستيف جوبز،” المخترع الأميركي من أصول سورية، والذي بات جهازه المحمول اليوم جزءاً لا يتجزأ من حياة السوريين.

ولكن بالعودة إلى “ميمونة عبيد،” المسبب الأول لهذا المقال، هل يُعقل أن يكون لها شارع بدمشق ولا شارع باسم “حسن الحكيم” مثلاً أو “جميل مردم بك” أو “خالد العظم،” وجميعهم من الرعيل الأول المؤسس للجمهوريةالسورية؟ هل يُعقل أن تخلو دمشق من شارع باسم “لطفي الحفار، “صاحب مشروع عين الفيجة” ، أو “أحمد عزت باشا العابد” صاحب مشروع الخط الحجازي، أو “صباح قباني” مؤسس التلفزيون السوري، أو “الأمير يحيى الشهابي” الرائد الإعلامي الكبير الذي كان أول من نطق بالعبارة الشهيرة: “هنا دمشق!” بعيداً عن السياسة وشجونها، ماذا عن “شارع فهد كعيكاتي” مثلاً، أو “جادة عبد اللطيف فتحي” أو “زقاق أنور البابا؟” وحدهم نهاد قلعي وسلامة الأغواني بين الفنانين الرُوّاد لهما شارعان باسميهما في دمشق.

لا أقول إن جميع هؤلاء أحق بشارع من “ميمونة عبيد،” التي ضحت بحياتها من أجل وطنها، ولكن عدد الشهداء السوريين يكاد أن لا يُعد ولا يُحصى في مدينة دمشق، منذ فجر التاريخ وحتى السنوات القليلة الماضية. وإذا ذكرنا اسم البعض، يجب أن نذكر الجميع ومن دون استثناء وهو أمر مستحيل.
أما حان الوقت لإعادة النظر بتسمية الشوارع بدمشق، بدقة وعناية وعلم، لا بالعواطف أو بالأساطير المروية؟

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. شكرا لك دكتور، أول مرة أعرف أن أول مندوب لسورية في الأمم المتحدة كانت امرأة. حتى في كلية الحقوق ما علمناها

  2. شكرا” للمعلومات القيمة التي تذكرنا بهذه الشخصيات ويفوح منها عبق ياسمين دمشق ولهفة من القلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق