رأي

من غَيَّرَ دمشق

منذ القِدم،،، رسمت دمشق لنفسها خطاً في نمط الحياة تُعَبرُ فيه عن فهمها للحياة والدين ، وتَمظهر هذا الفهم في المأكل والملبس والمسكن،،،،، ولما كان التاريخ هو صانع ثقافة الشعوب و دمشق لا تخرج عن هذه القاعدة . فإن دمشق التي مرت عبر التاريخ بتجارب مريرة من غزوٍ ونهبٍ وسلب من أقوام مجاورة وكانت دائماً مسرحاً لحروب الآخرين ، بالآضافة الى عدم تمتعها بحكومات فاضلة (إلا فيما ندر ولفترات قصيرة ) فإنها قد كوّنت لنفسها ثقافة أساسها الخوف والحذر ولكن الله حاميها فهي مدينة الأولياء والصالحين .

إن هذه الثنائية تمظهرت في اسلوب حياة الدمشقيين وكان الحجاب أوضح مظاهرها سواء بالعمارة أو باللباس ، فكما ان حجاب المرأة يخفي هويتها ويحميها من أعين الزعران،  أيضاً العمارة احتجبت خلف جدران تحميها من أعين وعسف الحكام ، وزاد العثمانيون من تحفُّظِها عندما منعوا الأجانب من دخولها لكونها مدينة مقدسة إنها شام شريف.

ولم تبدأ دمشق بالإنفتاح على الغير إلا بعد دخول جيش محمد علي باشا اليها حاملاً مشروعه لإقامة دولة حديثة ، وأساسه المساواة بين الجميع بغض النظر عن الدين والطائفة فألغى قوانين التمييز بالملبس وسمح بفتح الخمارات وضم الى مجلس شورى المدينة الخواجة ميخائيل كحيل عن المسيحيين والخواجة روفائيل فارحي الصراف عن اليهود وألغى الجزية مقابل الخدمة العسكرية كما بدء بإعادة هندسة المجتمع بتحجيم القوى العسكرية المحلية وأغواتها وسمح للتجار الأوروبيين بدخول المدينة وكان دخول القنصل الانكليزي سابقة لم يعتاد عليها الدمشقيون ، وافتتح المدارس التي تعتمد مناهج العلم الحديث كما شجع الإرساليات التبشيرية بفتح مدارسها الخاصة، وكان لإدخاله زراعة البندورة التي جلبها من مصر أثر كبير في توسع وتعديل المأكولات الدمشقية خاصةً ، وكان كل ذلك خلال سنوات حكمه القصيرة التي لم تدم إلا أقل من عشر سنوات، ولكنها فتحت الباب على مصراعيه أمام التغيير ، وخاصةً في الملبس الذي أصبح أقل تكلّفاً وزخرفةً واستُعيض عن العباءات الحريرية المزركشة والفضفاضة بالقنباز والساكو ( جاكيت طويل من الجوخ الانكليزي ) أو الجبة لرجال الدين وكذلك تم الاستغناء عن العمامات الكبيرة بطربوش تُلَفُ عليه قطعة من القماش يختلف لونها حسب المنزلة الاجتماعية للابسها.

أما في العمارة فقد استجلب معه طريقة البناء بالطوب والقرميد واصبحت الأبنية مفتوحة على الخارج بنوافذ كبيرة وبلكونات وعلى الطراز الأوروبي آنذاك . وبدأت دمشق تتغير ورغم بعض الانتكاسات إلا أن دولاب التغيير بدأ في الدوران مروراً بالتنظيمات عام /١٨٥٩/ التي رسّخت ما جاء به ابراهيم باشا الى مرحلة الانتداب الفرنسي والتي كلها ساعدت في انفتاح دمشق على الآخر وعلى ثقافة العصر واصبح اللباس الأوروبي هو المسيطر ولبست النساء التنورة والكعب العالي واصبحن يذهبن الى الحلاق ليصفف لهن شعرهن وأصبح الرقص الغربي والنوادي وفرق الكشافة والمطاعم المختلطة من صفات التحضروالتمدن ،،،، وهكذا الى أن جاء حزب البعث الى السلطة حاملاً معه مشروعه بصياغة علمانية وعقده الإجتماعي الذي أساسه إعادة تركيب وهندسة المجتمع لصالح العمال والفلاحين ،،،، وانهزمت المدينة أمام الريف وبدأت دمشق في التَغٓيُّر وكان التأميم هو السلاح الذي تم بواسطته القضاء على الطبقة المستنيرة والمتعلمة والطموحة والتي كانت مؤهلة لحمل مشروع نهضوي تنموي مستنير بمضمون عصري وكذلك وضع يده على التعليم والمدارس التي كنا نتباهى بها وبخرّيجيها وتراجع التعليم لحساب الكم وعلى حساب الكيف .

وهجم الريف على المدينة بشعارات اشتراكية تُضمِرُ الرغبة في القضاء على تقاليد أهل المدن وعاداتهم ومفاهيمهم ،،،، وتغيرت دمشق وأصبح طقم السافاري وخاصةً البيج أو الكاكي هو المسيطر على لباس الرفاق المنتشرين في كل دوائر ومؤسسات الدولة وأصبح الطقم الاوروبي وربطة العنق مظهر من مظاهر التبرجز العفن فتحاشاها الناس وهناك قصة طريفة حدثت مع رئيس الوزراء السوري يوسف زعيّن عندما زار باريس في عام /١٩٦٨/ فرفض الرئيس دوغول استقباله في الاليزيه بسبب إرتدائه السافاري ، وقصةٌ أخرى حصلت مع الرئيس السوري نور الدين الاتاسي عندما زار مدينة التل المجاورة لمدينة دمشق حيث لم يخرج وجهاء المدينة لاستقباله بسبب ارتدائه السافاري أيضاً عوضاً عن الطقم الرسمي واعتبروه تصرفاً غير لائقٍ برئيس جمهورية ، وزيادة على ذلك عممت الحكومة لباس الفتوة العسكري على طلاب المدارس ، وكانت دوريات من الرفاق بالحرس القومي تجول في شوارع دمشق بحثاً عن الشباب الذي يلبسون الشارلستون وشعورهم طويلة مقلدين فرقة البيتلز والهيبيين ، فتتم حلاقة شعورهم وقص بناطيلهم في الشارع على مرأى من الناس، واصبح أفراد الجيش لايشلحون بدلتهم العسكرية ويتجولون بها في انحاء المدينة واصبح المشهد في المدينة منقسماً بين بدلة السافاري المدنية والبدلة العسكرية هذا بالإضافة الى التصرفات البعيدة عن المدنية ،،، .

أما في العمارة فقد سيطرت فكرة الإسكان الشعبي على المخططات التنظيمية وأنظمة البناء وهذا ما نلاحظه بمقارنة شوارع بغداد وابو رمانة والمالكي والقصور وڤيلات المزة ،،،، مع مناطق المزة وركن الدين والميدان وبرزة ولا نريد التحدث عن مناطق المخالفات، وزاد من تغير وجه دمشق غلبة القرار الاداري على القرار الفني ومن أثاره زيادة عدد الطوابق في المناطق التنظيمية دون الأخذ بالاعتبار أن عرض الشوارع له علاقة بارتفاع المباني مما زاد في الكثافة السكانية وتشوهت الابنية، وساهمت مؤسسة الاسكان في نشر طراز معماري لا نعرف له أصلاً ولا فصلاً .وتشوهت المدينة، وأيضاً قانون الإيجار الذي لم يتطور ولم يتناغم مع التطور الاقتصادي ، فأصبح المالك للعقار لايملك القدرة على تجديد عقاره والمستأجر غير مضطر لتجديد عقار ليس عقاره، فأصبحت المدينة مدينة عجوزة مهترئة متجاوزة لعمرها الإفتراضي.

إن كل هذه التغييرات التي أصابت دمشق كانت نتيجة لسياسة شعبوية لم تتقبلها برجوازية دمشق ولا حتى فقرائها لأنها مست مشاعرهم وعاداتهم وتقاليدهم ومفاهيمهم بل اعتبروها إنتهاكاً لها،،،،،. وانكفأ أهل المدينة وشعروا أن هويتهم ستضيع ويجب عليهم التمسك بها وحمايتها فعادوا الى حصنهم والى حجابهم واحتجابهم ، وسيطر مشهد المحجبات على المدينة بل انقسمت المدينة الى مشهدين الاول محجّب والثاني سافر كتعبير واضح عن انقسام المجتمع ورفض مجموعة كبيرة منه للقيم الريفية المُغلَّفة بعلمانية جاهلة وغير مستنيرة . وقد لعبت منيرة القبيسي الدور الأهم في هذا الانقسام وأصبح اتباعها ويسمون بالقبيسيات يسيطرون على نصف مشهد المدينة . كانت الانسة منيرة واحدة من اتباع الشيخ أحمد كفتارو ثم ما لبثت أن انفصلت عنه وبدأت مشوارها الدعوي مستندة على بعض أتباعها من بنات الطبقة الشامية الميسورة ، فكانت كغيرها من رجال الدين تهتم بالتركيز والإستناد على الطبقة الغنية والمتوسطة بسبب طبيعة المجتمع الدمشقي الذي بُنيّٰ على حلف مقدس بين طبقة البرجوازية السنية والإسلام المعتدل الدٰعٰوي البعيد عن السياسة .

لقد بدأت التحركات المحدودة للجماعة تنشط في فترة تاريخية حرجة بالنسبة للمجتمع الدمشقي المحافظ في أغلبه ، وعايشت منيرة القبيسي هذه الفترة محاولةً تخفيف آثارها الثقافية على بنات عصرها في محاولةٍ لإعادة المجتمع الدمشقي لطبيعته المحافظة ، وذلك بالدعوة للرجوع الى القيم الاسلامية وتربية البنات على الأخلاق والفضيلة وأرادت أن تجعل من الإسلام نمطاً كاملاً للحياة من عبادات وأخلاق والحث على التقيد بالفروض الدينية والعبادات دون التفكير أو الرغبة في نشر فكر نهضوي أو تنويري وكان الحجاب الذي استحدثته من حيث الشكل واللون هو مظهر من مظاهر الرد على ( التفلت الإجتماعي بنظرهم ) الذي حاول البعث والقوى العلمانية الأخرى نشره عن طريق منظماته الكثيرة التي نظر اليها الشوام بعين الريبة والحذر ، هذا الحذر الذي تحول الى خوف في وقت كان الدمشقيون يجهدون في الإبتعاد عن الإسلام السياسي وخاصةً الجناح العنيف منه، فوجدوا في الشيخة منيرة ضالتهم وأمدّوها بما يلزم لنشر دعوتها التي تستند على القاعدة الفقهية التي تُحٰرِم الخروج على الحاكم مالم نطق بكفر واضح أو منع تطبيق التعاليم الشرعية .

ونتيجة لكل ذلك هيمنت الشيخة منيرة واتباعها ( دون أن ننسى الجماعات الأخرى ولكن الأقل تأثيراً ) على الشارع الدمشقي وخاصة بعد أن أصبحت تملك وتتحكم بمدارس كثيرة . هذه هي دمشق التي سعى ايراهيم باشا الى تغييرها بانفتاحها على الآخر وتحطيم الحواجز بين الناس بإدخال التعليم الحديث والبدء بنهضة شاملة ، تعود من جديد لتضع الحواجز بين الناس وعلى الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق