رأي

محمد علي باشا … وأهل الشام

بعد سقوط عكا بعشرة أيام أرسل ابراهيم باشا الى أعيان دمشق بأنه قادم إليها. فعقد الأغوات عدة اجتماعات مع الوالي وقرروا فيها المقاومة، وشرعت الحارات بالاستعداد للحرب وسارت العراضات في انحاء المدينة محرّضة على القتال، وصل ابراهيم باشا الى ( سهل كوكب ) بتاريخ /١حزيران١٨٤٢/ ولكن نظرة القوى الشامية تغيّرت عندما شاهدت المدافع المنتظمة، والنظام المستتب، وانقطعت قلوبهم من الخوف فلاذوا بالفرار

وهرب الوالي والقاضي والمفتي والنقيب وجميع أغوات الانكشارية من دمشق الى حمص، ودخل ابراهيم باشا دمشق في/٢حزيران ١٨٣٢/ بعد تفاوضه مع وفد من أعيان البلد جرى في منطقة داريا، تم الإتفاق فيه على دخوله دمشق صلحاً مقابل إعطائه الأمان لأهلها، واغتبط الدمشقيون واندهشوا لِما رأوه من حسن التنظيم، والملابس العسكرية الملونة، واهتزت مشاعرهم وجعلهم يعيشون في حيرة من أمرهم،فهذه هي المرة الاولى التي يشاهدون فيهاجيشاً عربياً منظماًً يخوض المعارك وينتصر فيها على القوى العثمانية .

ولكن وبعد فترة بسيطة من حكمه للشام ، وكما يقول المثل / راحت السكّرة وإجت الفكرة / بدأ الشوام في التململ من سياسات محمد علي وقوانينه التي فرضها عليهم رغبةً منه في ترسيخ مفهوم الدولة العصرية من خلال إعادة هندسة مجتمع دمشق وذلك بمحاربة الإقطاع والقضاء على القوى العسكرية المحلية المتشرزمة ففرض الخدمة العسكرية الإلزامية وألغى قوانين التمييز بين الطوائف الدينية من حيث اللباس والتعامل وجعل الناس كلهم متساوون أمام القانون وميّز بين المحاكم الشرعية والمحاكم المدنية وأيضاً فرض الضريبة على الجميع وسعى لتحصيلها من الغني قبل الفقير وفي عهده دخل القنصل الانكليزي كأول إفرنجي يدخل الشام ويطأ ارضها المقدسة بنظر أهلها .

كل هذه التنظيمات وغيرها كانت دافعاً لقيام جبهة معارضة له ولحكمه من جميع المتضررين بل من جميع أهل الشام

فهم لم يعتادوا بل لم يستسيغوا فكرة دولة القانون والمساواة والمواطنة وهم لايريدون أيضاً دفع الثمن من جيوبهم وحتى الطبقات الفقيرة والمستفيدة من تنظيماته اعتبرت أن حروب محمد علي لاتعنيها بل هي حروبه لوحده فامتنعت عن ارسال اولادها الى الخدمة العسكرية، هذا ناهيك عن معارضة الدروز والموارنة بل تمنّعها في تسليم اسلحتها للدولة،،،

وهنا وجد الغرب ممثلاً بانكلترة والنمسا وروسيا وبروسيا وتبعتهم فرنسا على مضض الفرصة سانحة للتدخل المباشر لمنع قيام دولة قوية تهدد السلطنة العثمانية التي يرغبون في بقائها ضعيفة وبالتالي تهدد مصالحهم فقرروا في مؤتمر لندن ابلاغ محمد علي بواجب انسحابه من بلاد الشام مقابل موافقتها على جعل حكم مصر وراثياً لذريته .

وعادت الشام الى الفوضى التي أحبتها وفضلتها على النظام وفضلّت المكاسب الآنية والصغيرة على البدء ببناء دولة حديثة عصرية وقوية،،،،، كانت فرصة أضاعوها بقِصَرِ بصرهم ،،،،، وبصيرتهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق