رأي

ما فيش فايدة يا صبرية…غطيني!

| سامي مبيّض

صباح اليوم، لفتني هذا البناء في وسط ساحة المرجة، الملاصق لمجمع يلبُغا. لا أعرف متى شيّدت هذه العمارة، ولكن يبدو من طرازها العام أنها من إنجازات حقبة الستينيات، ولا أعرف اسم المهندس المشرف عليها. المؤكَّد الوحيد بالنسبة لي أنها تكاد تفقأ العين من بشاعتها، وأنها تفتقد أبسط مقومات الجمال والذوق، تحديداً لكونها موجودة في ساحة المرجة العريقة، بكل ما فيها من دلالات تاريخية.

لو نظرنا بوضوح إلى الصورة، لوجدنا أن الطلاء الزهري قد طُلي حديثاً، وكذلك اللوحات الزجاجية الصفراء التي تظهر على الشرفات.

من سوء حظ المالك والمهندس أن بناءهم يقع مقابل بناء العابد الشهير، وهو من النفائس المعمارية في مدينة دمشق، الذي شيد قبل 113 سنة، تحت إشراف المهندس الإسباني المعروف فرناندو دي أراندا، وبتكليف من المرحوم أحمد عزت باشا العابد. هذا البناء العريق، الذي صُمم على الطراز الأوروبي عام 1906، كان مفخرة لكل السوريين، ولقد تغنى به أجيال من المعماريين، ولكن يبدو أنه لم يترك أي أثر لدى المشرف على العمارة الحديثة، ولا عند من أعطاه ترخيص الترميم في محافظة دمشق.

ألم يُقارن هؤلاء بين جمالية بناء العابد، أو السراي الحكومي القريب (وزارة الداخلية لاحقاً)، وبين قبح هذه العمارة؟ ألم تشعر محافظة دمشق أنها كانت قادرة -لو أرادت- أن تفرض معايير جمالية محددة على صاحب الملك، وتقول له إن هذا الطراز لا يتناسب مع مشيدات ساحة المرجة؟

هناك مثل شامي عتيق، يقول: “يا مصفاية، ما يعيبك بخش.” فهذا التطاول الصغير على دمشق يكاد أن لا يذكر بالمقارنة مع أعمال مماثلة تمت في طول المدينة وعرضها، في محيط ساحة المرجة، وفي حي الشعلان، وفي شارع أبو رمانة، وفي الروضة، وفي القصّاع، وفي القنوات، دون أن ننسى طبعاً كل الجرائم التي اُرتكبت بحق دمشق القديمة.

تخيلت لو أن فرناندو دي أراندا خرج من قبره في باب الصغير، بعد خمسين سنة من وفاته عام 1969، وشاهد ما حل بساحة المرجة اليوم.

“يا إلهي، ماذا فعلتم بدمشق؟!”

تجمع عدد من المهندسين والمعماريين، بينهم من رمم البناء المذكور أعلاه وبعض موظفي محافظة دمشق، وردوا عليه بكل ثقة:

“نحن طوّرنا المدينة، وحدّثناها وجمّلناها. لا يُعقل أن تبقى على حالها بعد خمسين سنة من وفاة حضرتك! أنت الماضي يا فرناندو، ونحن الحاضر والمستقبل!”

“أين هم معماريو دمشق ومهندسوها ليحتجّوا ويشتكوا؟ أعرفهم بالاسم وكانوا جميعاً على درجة عالية من ذوق والرقي…”

“لا تنادي عليهم، فجميع من عرفتهم ماتوا منذ زمن…”

“أين هو نهر بردى الذي كان يمر من هنا؟”

“لا تنادي عليه، فقد مات هو أيضاً…”

“ما هذه الفوضى، قوارض في وسط ساحة المرجة؟ وبائعو ترمس وبليلة؟”

“نعم، هي الحداثة بأُم عينها!”

“أرى بسطات ملابس داخلية على سور جامعة دمشق، أيُعقل ذلك أيها السادة؟”

“إنها العولمة يا سيد فرناندو…العالم بات قرية صغيرة، وبإمكانك اليوم أن تتعلم الفيزياء والكيمياء وتشتري كيلوتاً أبيض من المكان ذاته.”

“وماذا عن إنجازاتي في دمشق؟ هل ماتت كذلك؟”

“لا…منزل عطا الأيوبي ما زال قائماً، وكذلك محطة الحجاز، وبناء الفيجة، ولكنها إنجازات سخيفة، لا قيمة لها.”

“وأنتم، ما هي إنجازاتكم؟”

“لقد هدمنا بناء البلدية وجامع يلبُغا ومبنى البريد والصيدلية المركزية، فلا داعي لها جميعاً…وهدمنا، وبكل فخر، ربع حي سوق ساروجا.”

“أروني إنجازاً واحداً تفتخرون به…”

“انظر هناك…برج دمشق الشامخ، مثل برج إيفل!”

“ولكن هذا البناء قبيح جداً جداً…”

“الدنيا أذواق يا سيد فيرناندو…أذواق ومدارس.”

“وأنتم؟ ألا تخافون على مدينتكم؟”

وهنا ساد صمت رهيب، ولم يأتيه أي جواب من مهندسي العام 2019، فنظر إلى زوجته الدمشقية صبرية حلمي، وردّد كلاماً معروفاً نقلاً عن الزعيم المصري سعد زغلول:

“ما فيش فايدة يا صبرية…غطيني!”

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يجب أن يصدر قرار بمنع إعطاء رخص البناء إلا بموافقة لجنة مختصة محبة خبيرة (غير قابلة للرشوة ) وأفضل أن تكون تطوعية .
    لدينا حلب مثلاً ، ما زال البناء الحجري المزخرف على الطريقة التراثية يميزها (رغم وجود مبالغات ، وأخطاء ) ولكنهم يحاولون استرجاع مكانتها التاريخية … و نحن نحتاج في دمشق إلى لجنة تضم مهندسين وفنانين ، ومؤرخين للإشراف على تخطيط المدينة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق