رأي

ماروتا وإعادة الإعمار… حتى لا نندم

 

 

كان للتنظيمات الهمايونية التي أصدرها السلطان عبد المجيد الأثر الكبير في إعادة التوازن والاستقرار لمجتمع مدينة دمشق والبدء في عملية التطوير العمراني بشكل علمي وحديث وكان للوالي مدحت باشا ومن بعده الوالي حسين ناظم باشا الفضل الأكبر في ادخال مدينة دمشق عصر الحداثة وتنظيم التوسع لاحتواء الزيادة السكانية الطارئة والناجمة عن الهجرات ، فكانت منطقة المهاجرين الجرداء وغير الصالحة للزراعة هي أولى المناطق التنظيمية التي قُسمت فيها الأراضي الى قطع صغيرة وزعت على الاسر غير القادرة على الشراء في المدينة ، وقام الوالي ناظم باشا بتوصيل المياه لها عبر انابيب فخارية من عين الفيجة  ثم أمر بتوصيل خط الترام اليها لوصلها مع المدينة، ولكن وبسبب الإضطرابات السياسية لم يصدر أي مصور تنظيمي جديد الا في عام / ١٩٣٦/ حيث كُلّفَ المهندس الفرنسي دانجيه بإعداد مخطط تنظيمي توجيهي للمدينة فتابع فيه اتجاهات التوسع السكني الحاصل انذاك وخاصة أحياء المهاجرين والصالحية والأكراد والميدان والقصاع مع تشديده على المحافظة على الغوطة والبساتين المجاورة ، لا بل العمل على توسيعها لضرورتها الحيوية للمدينة.

وفي عام /١٩٦٤/ كُلِّفَ المهندس الفرنسي ايضاً بإعداد مخطط تنظيمي جديد للمدينة لإستيعاب الزيادة السكانية الطارئة بسبب الهجرة الداخلية اليها ، وأيضاً تابع ايكوشار ما قام به دانجيه من حيث الحفاظ على الغوطة والبساتين ما أمكن وتوجه بالتوسع باتجاه المناطق أو الاراضي غير الزراعية ، فتوسع في منطقة المهاجرين وقرية المزة مع ضم المناطق التنظيمية التي صدرت لها مخططات تنظيمية في المالكي وكفرسوسة وشرق باب شرقي والقصاع عام/١٩٥٧/ وكانت هذه المخططات أولى الخطوات في التعدي على بساتين الشام والخروج عن مصور دانجيه التوجيهي،

وبعدها ،أي منذ تاريخ تصديق مصور ايكوشار عام /١٩٦٨/ لم يصدر مخطط توجيهي جديد لتوسع المدينة، والذي كانت المدينة في حاجة ماسة اليه بسبب الهجرات الكثيفة للمدينة الناتجة عن حرب عام / ١٩٦٧/ واستقرار الفلسطينيين فيها بالإضافة الى هجرة أهل المدن السورية الاخرى لظروف سياسية ولغياب التنمية فيها ، فنشأت حول دمشق مناطق سكن عشوائي بتسهيل من البلديات المختصة  وتحايلاً على قانون التوسع العمراني المجحف أنذاك واصبح التعدي على البساتين والمناطق المزروعة يتم تحت أنظار الدولة بدعم من الفساد الذي استشرى في البلديات ، وكان الدمشقيون يعيشون على أمل أن تتاح الفرصة وتستيقظ محافظة المدينة وتعمل على إصلاح أخطائها التي ارتكبتها سابقاً بإزالة هذه المخالفات وإعادة تشجير البساتين والمناطق الخضراء ، تمشياً مع قرارات الحكومة في التركيز على التنمية المستدامة والبيئة الخضراء، ولكن وعلى ما اعتادت عليه مؤسسات الدولة بالعمل فُرادى وبدون تنسيق ، وبطموح لا يستند على أُسسٍ وقواعد علمية وبفوقية لا تأخذ لرأي الناس أي أهمية بالرغم من أنهم هم المستهدفون في أي عملية تطوير،،،،

اقترحت المحافظة انشاء منطقتين تنظيميتين في بساتين المزة وداريا بشكل رئيسي ( ماروتا سيتي وباسيليا سيتي ستستكمل فيهما إقتلاع ما بقي من اشجار عمرها مئات السنين ومتناسيةً أو متجاوزةً المرسوم الذي يمنع إقتلاع الأشجار مهما كان السبب وإحالة المخالف عرفياً الى السجن ،، ونحن وحتى لا يُقال بأننا ضد تطوير مدينة دمشق ، فإننا لن نتدخل بالكيفية التي تمت بها إعداد المصورات التنظيمية  للمنطقتين ولا بالرؤيا الموَّجهة لهما ولكن لنا عدة أسئلة لم نجد لها أجوبة ونطرحها فقط من أجل أن لا نندم.

١ – لماذا لم يُطَبق على المحافظة قانون التطوير العمراني و( خاصة أنها أصبحت تعمل بصفتها شركة قابضة ) هذا القانون الذي يُلزم الجهة المُطورة بإجراء دراسات سكانية وبيئية وتحديد الشرائح السكانية المستهدفة مع الأخذ بالاعتبار إن قسماً منها يتألف من السكان الأصليين الذين اعتادوا على حياة الفلاحة والزراعة بل هي مصدر رزقهم ولنا معهم تجربةٍ سابقة في تنظيم المزة / بلدة قديمة/ حيث لم يتأقلموا مع البناء الحديث وانتقلوا الى البساتين وسكنوا فيها

٢ – قانون التطوير العمراني وضِعَ أصلاً لتطوير المناطق غير الزراعية أو هي خارج المناطق التنظيمية أو للمناطق المنظمة التي استنفذت أهدافها،،،، وهذا لا ينطبق أبداً على هذين الموقعين كونهما مناطق شريط أخضر وزراعة داخلية ضمن المصور التنظيمي العام لمدينة دمشق ولا يسمح بالبناء عليها، وإن إشغالهما بالمخالفات العشوائية  وبغفلةٍ من الزمان وبتواطؤٍ من البلديات وخاصةً بساتين المزة لا يبرر تغيير صفتهما التنظيمية بل كان من واجب المحافظة إزالة ما فعلته هي بإهمالها وإعادة الوضع الى ما كان عليه، لإن هذه البساتين كانت وما زالت رئة دمشق

٣ – إن إصدار قانون شركة الشام القابضة يجعل من المحافظة بمثابة / شريك مضارب / مع أصحاب الارض ، وفي هذا مخالفة صريحة للأسس التي أنشئت عليها المحافظة وأولها أنها جهة وصائية مهمتها ادارة المدينة وتطويرها دون المساس بحقوق الناس التي حددتها القوانين ،فهي جهةٌ حيادية لا تدخل في علاقة ربحية ناتجةٌ عن التصرف بأملاك الناس ، وإن الأجزاء المقتطعة مجاناً لصالح التنظيم توزعها المحافظة مجاناً على المديريات الأخرى ذات النفع العام، أما حصتها من المقاسم المعدة للسكن فلها حرية التصرف بها ومنحها أو بيعها،،، كل ذلك يكون نتيجة لحساب دقيق لحقوق أصحاب الارض وتقييم الحصص السهمية التي لا يجوز تعديلها بعد توزيعها،،،، ولكن السؤال ما الذي يمنع المحافظة من تعديل هذه النسب بعد أن أصبحت شركة قابضة تمسك بقلم التعديل وصار بإمكانها زيادة عوامل استثمار مقاسمها بزيادة عدد الطابق مثلاً

٤ – لا ندري فيما اذا كانت الدراسات قد أخذت بعين الإعتبار استيعاب البنية التحتية الحالية للزيادة العددية من الافراد المستفيدين من المشروع وخاصةً مياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء وأيضاً علاقة المشروع بجواره من الشوارع والطرقات من حيث الدخول والخروج وكثافة عدد السيارات عند ساعات الذروة نظراً لما تعانيه المنطقة من إختناقات مرورية وبنية تحتية مهترئة

٥ – لقد لُحظ بالمخطط مجمعاً تجارياً ( مول ) بمساحة ( ٩٧٠٠٠متر مربع ) وبجواره مجمعاً للمدارس يتسع ل      (١٨٠٠٠ الف طالب ) ، وموقع هذين المجمعين في الوسط من المشروع ، فهل تمت دراسة الاستيعاب للسيارات القادمة من خارج المشروع وخاصةً في ساعات الذروة،،،، أم أننا سنكرر تجربة مجمع ( آب تاون ) في دمر ونتائجه الكارثية على سكان المنطقة وأين ستقف باصات نقل الطلاب ، أم أن المدارس ستكون فقط لأبناء الحي وهل ستكون مدارس خاصة أم تابعة لملكية وزارة التربية، نسأل لإن في الأجوبة تكمن مشاكل حقوقية وقانونية وتربوية ، يحسن الإلتفات إليها منذ الآن ، وألا ينحصر إهتمامنا فقط ببناء واجهات لمباني تُضمر منذ الآن مشاكلها.

٦ – لم يلحظ المخطط ضرورة وجود بعض المقاسم الخدمية الضرورية كمقسم هاتف ومخفر ومستوصف ومختار للمحلة أم أننا بالمستقبل سنكتشف أن بناء ( براكيات ) ما زال سياسة نافعة وضرورية

أخيراً،،، إننا لاننكر أن مدينة دمشق كلها وبكامل أحيائها أصبحت بحاجة ماسة للتطوير وإعادة التأهيل لنقلها من خانة القرية الكبيرة الى مدينة حديثة تستلهم قيّم الحداثة الحقيقية والأصلية وبما يليق بها كعاصمة من أقدم العواصم وبما يليق بهؤلاء السوريون الذين تحملوا الكثير الكثير من المشاق والفوضى والقرارات الارتجالية،،،، ولكن مع الحفاظ على هويتها وسماتها وأن تكون لنا وليس لمستثمرين همهم فقط مردود أموالهم،،،،، إننا ببساطة لانريد لدمشق أن تصبح دبي أخرى،،،، إننا نريد للشام أن تبقى شاماً،،،،،، حتى لا نندم،،،،،، حتى لانندم

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يذكرني المشروع بمثل قديم.. ابن الست وابن الجارية… ويبدو ان كل ما هو قديم أصبح ابن الجارية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق