قراءة في كتاب

قاموس الصناعات الشامية

| غسان كلاس

في عام ۱۹۲۸م زار الفرنسي «لويس ماسنيون» دمشق وطلب من آل القاسمي نسخة من مخطوط (قاموس الصناعات الشامية) الذي كان قد تصفحه في زيارة سابقة في عام ۱۹۱۹م واستعان به -حينئذ- في إعداد القسم المختص في دمشق من بحثه الواسع عن تنظيم العمل والعمال في المدن السورية ….

وقد وصف «ماسنيون» هذا الكتاب بأنه «قاموس اجتماعي سوف يَهدي الباحثين إلى تنظيم مجموعات مصورة عن أدوات الحرفيين التقليدية، ويوجه العمل على تأسيس متحف تاريخي للأساليب الفنية، بل ويوحي بدراسات في علم النفس الاجتماعي، وبتنظيم جداول للإحصاء المهني، وبوضع مصورات طبوغرافية عن التوزيع التاريخي للمنظمات الحرفية…».

ويضيف «ماسنيون».. «استطعت من بين أكداس الوثائق، بفضل قاموس القاسمي، أن أستخلص مذكرة عن تنظيم العمل في دمشق».

يقول «ماسنيون»: «لقد قمت بدراسة مقارنة للحواضر الإسلامية بين فاس والقاهرة وبغداد واستانبول وأصفهان ودلهي ودمشق، وإذا أصالة دمشق المتميزة تثب أمام عيني، ففي دمشق نما خيال الصناع المبدع وتنوع أكثر ما يكون النمو والتنوع وبأكثر ما يمكن من التلون والدقة».

في تقديمه للقاموس، يقول «ظافر القاسمي»، الذي تولى تحقيقه وطبعه بإيحاء من «ماسنيون»: الصناعات في البلاد الشامية قديمة، وما أعرف أن أحداً ألف عنها، وإنما تناول موضوعها بعض الكتاب بالأبحاث والمقالات والمحاضرات، وقد مر ذکر الصناعات في كتب بعض المؤرخين والرحالة عرضة دون استقصاء أو تتبع كالذي ذكره «ابن جبير» -مثلاً- عن أسواق حلب…

وبالعودة إلى مراحل تأليف الكتاب فقد توقف «محمد سعيد القاسمي» (١٨٤٣-۱۹۰۰) بسبب الوفاة عند حرف السين، وآخر حِرفة دوَّنها (سنبوسكاتي) ليقوم بعد ذلك ابنه «جمال الدين القاسمي» (١٨٦٦ – ١٩١٤) وصهره «خليل العظم» (۱۸۷۰ – ١٩٢٦) بمتابعة العمل وفقاً للترتيب الهجائي مع استدراك لما فات مما سبق من حرف السين.

وعن ظروف تأليف هذا الكتاب – القاموس-، يقول الشيخ «حامد التقي» وكان تلميذاً خاصاً لـ«جمال الدين القاسمي»: لقد أراد «جمال الدين القاسمي» أن يحمل أباه على التأليف والعمل، فأوحى إليه بأن يضع قاموسا لصناعات دمشق، فسأل الوالد ولده: وكيف أبدأ؟ فأجاب الولد: تستأجر دابة، وتركبها، وتذهب إلى البوابة (أقصى المدينة من الجنوب) وتحمل في جيبك قلماً ودفتراً ، وتنزل عن دابتك، ثم تسير على جانبي الطريق، حتى تصل إلى شمال المدينة، وتسجل أسماء الصناعات والحرف، ثم تشرع في دراستها، والبحث عنها ، وبهذا يتم كتابك … وهكذا كان.

ولم يكن الإحصاء كافياً، ولا تتبع الصناعات في الأسواق وحده وافياً بهذا العمل، لأن كثيراً منها يخرج عن نطاق الأسواق، يعمل أربابها في الدور، أو في الحقول، أو على ضفاف الأنهار، كما أن بعضها موسمي لا يُعرف لأصحابها مقر… لذلك فقد أجهد المؤلفون أذهانهم، وذاكروا من حولهم من الأهل والأصدقاء والمعارف، وأخذوا في تسجيل الصناعات تباعاً، إلى أن اجتمع لديهم /٤٣٧/ أربعمئة وسبع وثلاثون صناعة، هذا فضلاً عن أن بعض الصناعات التي ضمها الكتاب كانت قد زالت، وبعضها كان على طريق الزوال، فلم يكن تتبعها في الأسواق ممكناً …

وبدون الدخول في التفاصيل، لا بد من الإشارة إلى أن الشروع في وضع الكتاب كان في عام ۱۸۹۲ م وأن الجزء الأول منه قد انتهى في عام ۱۹۰۰م، ثم أتمه القاسمي الابن والعظم وبقي محبوساً في المكتبة القاسمية حتى عام ۱۹۲۸م إذ أخذ «ماسنيون» صورة عنه، وفي عام ١٩٥٨ م اتفق «ظافر القاسمي» أثناء زيارته لباريس مع «فرناند بروديل» على طبعه.

تضمن الجزء الأول من الكتاب مدخلاً اعتبر فيه المؤلف أن نظام العالم متوقف على الصناعة، ثم أعقب المقدمة بثلاثة فصول:

بحث في الأول منها (فضل الكسب والحث عليه).

وذكر في الثاني (بعض آداب الكسب والمعاملة).

وأشار في الثالث إلى أمهات الصناعات.

وختم المقدمة بفائدة عن الفرق بين الصناعة والحِرفة (اِعلم بأن كل ما اشتغل به الإنسان يُسمى صنعة وحرفة، لأنه ينحرف إليها والصناعة ككتابة حرفة الصانع وعمله.. والصنيع كالصنعة جمعه صنائع والحرفة بالكسر: الطعمة. والفرق بين الصناعة والحرفة أن الإنسان إذا سعى في تحصيل ما يعيش به، جعل لها سبب من الأسباب فإذا كان السبب عمل يده فهو الصناعة، وإلا فهي الحرفة.

يصف القاسمي الأب، في كتابه، صناعات الشام أدق وصف، كما كانت قائمة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

فهو -الكتاب- وثيقة تاريخية مهمة، تتضمن تصويراً للصناعات الشامية، فحفظ ما كان يمكن أن يندثر، وما اندثر بالفعل، من أسماء وأوصاف كثير من الصناعات …

والكتاب حاول إحصاء الصناعات المعروفة في العصر الذي وُضع فيه، ووَضع لكل منها تعريفاً وإيضاحاً للطريقة التي تُزاول فيها الصناعة… وترى في الكتاب أسعار بعض الحاجات، كما كانت معروفة، بالعملة المتداولة في ذلك العصر، كما تلحظ فيه بيان أجور بعض الأعمال …

وفيه بعض المعلومات الزراعية التي ذهب ريحها أو كاد بسبب الرقي الذي طرأ على الزراعة وطرائقها …

ومن أهم ما تضمن هذا الكتاب أنه وصف الحياة الاجتماعية في البلاد على شكل لا يمكن أن تجده في كتاب آخر، فترى -مثلاً- وصفة للتهاليل وطريقة إقامتها .. ووصفة للسيارين التي اعتادها أهل الشام..

وترى في الكتاب غرضاً أصلياً، تكاد تلمحه في أكثر الصناعات التي تمر بك، هو مزيج بين الدين والأخلاق ففيه تصحيح لبعض العقائد الفاسدة، أو لبعض الأوهام…

وزين الكتاب بكثير من الشعر والطرائف الأدبية والفوائد اللغوية ولم يخلُ الكتاب من فوائد تاريخية نادرة كـ: ابتداء لبس الحذاء، والتصوير، والمسحر، وإنشاء الخط الحجازي، وتاريخ التمثيل المسرحي في سورية… وغيرها

ومن أهم ما في الكتاب تصوير للميول الفنية التي اتسم بها الشاميون فهم في سهراتهم مولعون بالموسيقا، وكذلك في سيارينهم…

في ختام تعريفه بالكتاب – القاموس-، يقول ظافر القاسمي: «والكتاب جدير بأن يُدرس دراسة علمية منظمة عميقة، بحيث تصنف المعلومات التي ضمها تصنيفاً يُسهل الانتفاع منها حين الرجوع إليها.

فما بين دفتيه من المعلومات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والتجارية والأخلاقية والدينية وغيرها مما يتعلق بالعصر الذي وُضع فيه، مادة أصيلة للباحثين والمؤرخين».

ولعل الكتاب الذي أصدره «د . بدر الدين السباعي» في عام ۱۹۷۷م عن دار الجماهير الشعبية بعنوان: (أضواء على قاموس الصناعات الشامية) قد استجاب نوعاً ما، وفي بعض الجوانب، لما رغبه القاسمي، ظافر، رحمه الله، لجهة التصنيف في إطار النشاطات الاقتصادية وتفرعاتها: البناء والتشييد، الصناعات الحرفية، الزراعة، التجارة، الخدمات، … والعلاقة بين النشاط الاقتصادي والمنزلة الاجتماعية واللقب (الكنية) الذي يطلق على مُمتهنها، وأيضا في إطار الديانة والعرق والجنس، والأسعار والأجور…

وتجدر الإشارة إلى أن صناعات وحرفاً كانت في الماضي قائمة ثم تلاشت كلياً قبل كتابة المؤلفين قاموسهم، أو انعدمت في حياتهم، فالصناعات التي انعدمت منذ زمن بعيد : الياسرجي (دلال العبيد والإماء)، والمجركش الذي يزركش جهازات العرسان بعروق وقطع من خالص الفضة، والقاوقجي والأبار والسقّاء والوناس والمخرس والقنواتي والقميمي والمحايري والفناراتي والعلقي …

يوجد كتاب مطبوع في المطبعة الأدبية في بيروت عام ١٨٩٦ م لـ« رشيد غازي بن عبيد أحمد » يقع في / ١١٠٤/ صفحات سمّاه (منتهى المنافع في أنواع الصنائع) كان غرضه منه التعريف بكثير من الصناعات الأوروبية، إلا أنه تعرض إلى بعض الصناعات المحلية، كصناعة الحرير، وتربية دودة القز، وصباغ الحرير، وما شابهها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق