مقالات

فيرناندو دي أراندا،،،، قصيدة حب،،،،، وعنوان الفشل

أراندا واحد من هؤلاء الذين زاروا دمشق فألبستهم ثوب عشقها فقدموا لها ما استطاعوا ليعبّروا لها عن حبهم وإمتنانهم ، فكانت عماراته فيها وكأنها هدية العاشق لمعشوقته ،إنها عمارة الشكر لمدينة علمته العشق،،،،.

كثيرون تناولوا قصة حياة وأعمال المعمار الأسباني الأصل أراندا ، ولا نريد أن نكرر ما قيل عنه إلا بإختصار شديد . ولد أراندا في مدريد عام /١٨٧٨/ ورافق والده الى فرنسا وبعدها الى اسطنبول ليقود الفرقة الموسيقية العسكرية .

درس الفنون الجميلة وتخصص في التصميم المعماري ، زار دمشق في عام / ١٩٠٤/ فأحبها وتزوج فيها من زوجته الأولى اليونانية الأصل وإبنة صاحب فندق ڤيكتوريا ،،،،.

كانت الفرصة الأولى لأراندا في دمشق عندما تقدم الى مسابقة تصميم محطة الحجاز في البرامكة ، بطلب من المعمار الألماني مايسنر، ففاز تصميمه وطُلِبَ منه الاشراف على تنفيذه ، ثم أشرف على بناء فندق العابد في المرجة ، الذي ما أن انتهى بناءه حتى اشتعلت الحرب العالمية الأولى فاستولى عليه جمال باشا وجعله مقراً لقيادة أركان حربه . 

سكن أرانداعند قدومه الى دمشق في حي سوق ساروجة ( بيت توفيق) ثم انتقل الى منزله الخاص الذي بناه بنفسه في موقع قريب من فندق فيكتوريا ( مقابل سينما الأهرام اليوم ) وكان الطابق الأرضي تشغله المكتبة العمومية( وصاحبها أديب خير)  بينما سكن هو في الطابق الأول ، ثم انتقل عام /١٩٢٢/الى حي الحلبوني ليبني فيه عام /١٩٢٧/ قصر آل حلمي ،العائلة القادمة من مصر وذات الأصل التركي ، وتزوج أراندا صبرية حلمي بعد أن طلق زوجته الأولى واعتنق الاسلام وأصبح إسمه محمد و انتقل ليسكن في بيت زوجته صبرية في حي المهاجرين في شارع ناظم باشا بالقرب من جامع المرابط ، كانت أعمال أراندا السابقة قد فتحت له ابواب العائلات الثرية ، بالإضافة الى عمله في مديرية الأوقاف وبلدية دمشق ووزارة المواصلات ، فصمم مبنى لجنة مياه عين الفيجة وصمم مبنى البسام المطل الآن على ساحة المواصلات ، وصادق على مخططات مبنى قصر العدل الذي صممه المهندس عبد الرزاق ملص ، وكان هو أول من استعمل مادة الإسمنت المسلح عام /١٩٢٥/ في بناءالمبنى السكني ذو الطابقين في السنجقدار، ثم صمم مبنى وزارة المواصلات ومسجد المرابط وأيضاً مبنى مديرية الأوقاف والمبنى الذي بجانبه ( مقابل قصر العدل ) ويشغله الآن بنك التجاري السوري ،

أما المنشآت الخاصة فقد صمم منزل الزئيس عطا الأيوبي عام /١٩٢٨/ ويقع بجانب السفارة الفرنسية ، وليس بعيداً عنه صمم بناءالرئيس جميل مردم بيك /١٩٣٠/ في جادة نوري باشا كما صمم البيت الصيفي للرئيس خالد العظم في دمر ، والذي يُطلق عليه أهل الشام اسم القصر وتحول فيما بعد الى مقهى ومطعم ، كما بنى منزل الرئيس حقي العظم ومنزل منيف اليوسف في حي الأكراد .

تقول المهندسة كارمن سيرانو دي آرو مارتينيز . عندما نالت سوريا استقلالها وفي فترة السعي من أجل إدارة مهنية مختصة كان من الضروري تأهيل فئة مهنية حاصلة على أعلى الشهادات ، لذلك بدؤوا يطلبون الوثائق والشهادات قبل منح أي وظيفة حكومية ، ولكن أراندا إما أنه لم يكن يملك مثل هذه الشهادات أو أنه كان يمتلكها ولكن لم يُعترف بها أو أن الشهادة التي كانت بحوزته لم تكن كافية . ولم يكن ذلك منطقياً، ولكن يُعتقد أنه كان السبب الرئيس والحقيقي في عدم ظهور توقيعه على أعماله الأخيرة، وتتابع المهندسة كارمن ، أن أراندا لم يكن لديه الحس التاريخي والهوية الوطنية لدمشق فقط، بل كان يتلاعب بالحركة والسكون كعوامل أساسية في البناء المعماري ، وكان في ذلك أقرب مايكون الى الأسلوب المتميز والمتناسق الذي تميزت به مساجد المعمار سنان ، الذي ترك اسطنبول أيضاً متوجهاً الى دمشق في القرن الرابع عشر ليمارس مهنة البناء . 

فيرناندو دي أراندا ليس مزيناً أو مزخرفاً لواجهات المباني بل هو مبدع حساس ، ويعيش في ذاكرة المدينة التي لم تتوسع وتغتني معمارياً بإتباع العمارة التقليدية ، بل بإبداعات أشخاص مثل أراندا،،،، .

نعم هذا هو أراندا الذي أحب مدينة دمشق فأراد أن يقدم لها ما يستطيع أن يقدمه، فقدم لها هوية معمارية اساسها الماضي العريق ومنطلقة نحو المستقبل ، أي أنه حاول إعطاء دمشق هوية معمارية وطنية تُعبر عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها بعمارة تحاكي بجمالها جمال دمشق  ،،،،،، دمشق التي أحبها ولم يغادرها وأراد أن يدفن فيها.

فهل كان أراندا عنوان فشل المعماريين الدمشقيين،،،،،، وهل أحَبَ دمشق ، مدينتنا التي ذبحناها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق