مقالات

عصيان مسرح “زهرة دمشق”

استيقظت دمشق على إيقاع غير مألوف في ذات يوم من ربيع العام 1912. عُمال النظافة كانوا يعملون منذ بذوغ الفجر على تكنيس كافة الطرق المؤدية إلى ساحة المرجة وعلى تنظيف الحدائق العامة ونهر بردى، حينما كان موظفو البلدية يعرفون أعلاماً عثمانية جديدة على مدخل السراي الكبير وعلى أعمدة الكهرباء المزروعة حديثاً من حوله. كل الاستعدادات كانت تشير إلى قرب وصول ضيف كبير قادم من اسطنبول، إما وزير أو سفير أو ربما الصدر الأعظم نفسه. التعاملات التجارية كانت خفيفة في سوق الحمدية وسوق البزورية، فالكثير من الناس كانوا على عجلة واضحة في قضاء حاجاتهم اليومية، لا يشترون إلا ما هو ضروري ويتسارعون في العودة إلى منازلهم عند المغيب وكأن أمراً مهماً ينتظرهم في ذلك المساء .كانت المدينة على موعد بالفعل ليس مع مسؤول تركي رفيع بل مع المطرب والممثل المصري الكبير سلامة الحجازي، الذي جاء إلى دمشق قبل يومين مع جوقته لعرض مسرحيتين في صالة سينما “زهرة دمشق” القريبة من دار الحكومة في ساحة المرجة. الحدث كان مهماً للغاية بالنسبة لأهالي دمشق، الذين لم يعرفوا ظاهرة المسرح إلا لفترة وجيزة نهاية القرن التاسع عشر أيام الرائد الدمشقي أبو خليل القباني، الملقب بأبو المسرح السوري. إستهجنوا هذا الفن الراقي في بداية الأمر، فكان غريباً جداً عن عالمهم، ولكن سرعان ما اعتادوا عليها وبدأوا يتذوقونها، حتى حرموا منه بسبب مضايقات الأصوليين الذين طاردوا القباني وأحرقوا مسرحه وأجبروه على الهروب إلى مصر، فعاد الناس من بعده للسهر في المقاهي التقليدية والاستماع لقصص الحكواتي عن الزير سالم وعنترة بن شداد، ولعب الورق وطاولة الزهر، وهي الوسائل الترفيهية الوحيدة المتوفرة في دمشق والأكثر رواجاً في مطلع القرن العشرين.

الدولة العثمانية الحاكمة يومها لم تكن تطلب أي موافقة أمنية مسبقة للعروض المسرحية، بسبب ندرتها أولاً ولأن كل العروض الأجنبية كانت بعيدة في مضمونها عن السياسة ولا تحاكي واقع السوريين، تتضمن لوحات استعراضية وراقصة مع فقرات موسيقية وعروض مسرحية لأعمال عالمية، تقدم إما باللغة العربية الفصحى أو باللهجة العامية المصرية. لم تكن تلك العروض تثير حفيظة العثمانيين  ولا تدعو للمراقبة قبل العرض، وظن القائمين على مدينة دمشق يومها أن مسرحيات سلامة الحجازي لن تختلف كثيراً عن سابقاتها من الأعمال المصرية الاستعراضية. الدولة العثمانية كانت وقتها تعيش صراعات عنيفة إثر انقلاب عسكري هز أركان عرش بني عثمان قبل أربع سنوات، أدى إلى خلع السلطان عبد الحميد الثاني على يد مجموعة من الضباط عرفوا باسم “جمعية الاتحاد والترقي.” جائوا إلى الحكم بقوة السلاح وبوعود اصلاحية كبيرة، مثل عودة الحياة البرلمانية وإعادة العمل بالدستور والسماح بانفتاح سياسي وحرية تعبير عبر الصحافة والنشر، ولكن سرعان ما أستتبت لهم أمور الدولة، تحولوا إلى رزمة عسكرية تحكم البلاد بالحديد والنار ولا تسمح بأي نوع من النشاط السياسي والفكري، ولا تتقبل بأي قومية في صفوف امبراطوريتها إلا القومية العثمانية. مع ذلك رحبت السلطات العثمانية الحاكمة في دمشق بسلامة الحجازي، الذي ذاع صيته بعد عروض مسرحية كبرى في حديقة الأزبكية بالقاهرة، وكتبت عنه الصحف الدمشقية بعد تلحينة للمارشات الخديوية في مصر وللأغاني الحماسية عن المبادء والأخلاق والولاء للوطن.

جاء في برنامجه للجمهور الدمشقي مسرحيتان، الأولى بعنوان “شهداء الغرام،” وهي نسخة مُعربة من “روميو وجوليت” لشكسبير والثانية مسرحية “جريح بيروت،” تحكي قصة العدوان الايطالي على السفن الحربية العثمانية في بيروت في شهر شباط من ذلك العام، والذي أوقع عدداً من الضحايا والجرحى بين صفوف المدنيين.[1] المسرحيتين كانوا من تاليف الشعراء المصريين الكبار حافظ ابراهيم واسماعيل باشا صبري، لحن اغانيهما سلامة الحجازي ووزعها بنفسه. شاع خبر بين مثقفو دمشق أن مسرحية “جريح بيروت” كانت تحتوي على نقد صريح للحكومة الايطالية ومبطن للدولة العثمانية وممارساتها، مما شجع الجمهور على حجز بطاقات مسبقة لحضور العرض يوم 12 نيسان 1912.

في الساعة السادسة مساءً غصت صالة “زهرة دمشق” بالجمهور الدمشقي من كافة المستويات الاجنماعية. البعض جاء بسرواله العتيق وحطته البيضاء بعد قضاء يوم مضني من العمل في أسواق المدينة ومتاجرها، وكانوا من العمال أو الطبقة الكادحة، والتجار حضروا بقمبازهم المقصب وكمرهم الحرير، أما علية القوم، فكانوا يرتدون بدلة التكسيدو “الفراك” تزينها ساعة ذهبية على جيبها الأيمن، يرتدون الكفوف البيضاء وعلى رأسهم طربوشهم التركي الأحمر، يشبهون في هندامهم بشوات مصر وأمرائها. قدرت الصحف أن ما لا يقل عن 300 شخص أُجبروا على الوقوف على الأقدام لكثافة الحضور ومُلئت جميع المقاعد في الدور العلوي والأسفل. تفاجئ سلامة الحجازي بهذا الجمهور الوفير والغير متوقع، وكان يتأهب للقاء أهالي دمشق بعد تجربة سابقة معهم قبل سبع سنوات، لم تكن ناجحة بالمطلق بسبب تعرضه لوعكة صحية عند بدء العرض، أجبرته على إلغاء الحفل المقرر في حدية القصاع يومها والانتقال إلى مستشفى قريب لتلقي العلاج، مما أغضب “الشوام” الذين تظاهروا أمام المسرح وطالبوا باستعادة ثم تذاكرهم.[2] كان الحجازي ينوي تعوض جمهوره الدمشقي عن تلك الحادثة، ولم يكن يتخيل ما كان في انتظاره وانتظار دمشق في تلك الليلة.

تابع الجمهور عرض “شهداء الغرام” بفتور نسبي وهو ينتظر بفارغ الصبر الفصل الثاني من العرض لمشاهدة “جريح بيروت.” ولكن بعد انتظار دام قرابة العشرون دقيقة بين العرضين، لم يظهر أي ممثل على خشبة المسرح ونهض مفوض الشرطة لمدينة دمشق ومعه مدير مسرح الحجازي، وهو مصري الجنسية، معلناً أن “جريح بيروت” قد مُنعت من العرض منذ دقائق وأن على الجمهور مغادرة الصالة فوراً. هاج الناس عند سماعهم هذا الكلام المستفز وعلى رأسهم عدداً من الوجهاء، كانوا يجلسون في اللوج رقم 13، أبرزهم نائب دمشق في مجلس المبعوثان العثماني شكري العسلي وزميله رشدي الشمعة، نجل مستشار السلطان عبد الحميد الأسبق أحمد باشا الشمعة، ومعهم عبد الوهاب الإنكليزي اوالدكتور عبد الرحمن الشهبندر، أحد اشهر اطباء دمشق يومها وعضو الهيئة التدريسية في الكلية السورية البروتيستانتية، المعروفة لاحقاً بالجامعة الأميركية في بيروت.[3] وكان الوجيه الشاب نسيب البكري، نجل عطا باشا البكري، يجلس في الصالة أيضاً لعدم وجود مقاعد شاغرة في الدور العلوي، وكان من المتنفذين في حينها بسبب ثروة أبيه ومكانته الاجتماعية والسياسية في كل من دمشق واسطنبول. وحده رشدي الشمعة كان يتمتع بقليل من الخبرة المسرحية بين هؤلاء الشباب، فكان قد الف مسرحية تاريخية قبل أشهر قليلة، عنوانها “طارق بن زياد،” عُرضت في حديقة الصوفانية في حي باب توما من قبل مجموعة من طلاب المدارس والهواة. اما بقية الوجهاء فكانوا من المهتمين بالمسرح، فاعلين في الحياة السياسية، ومعروفين بشدة عدائهم لجمعية الاتحاد والترقي الحاكمة في عاصمة الخلافة.

إنزعج شكري العسلي من تصرف مفوض الشرطة وصاح بصوت مُرتفع: “نريد أن نعرف السبب وراء الغاء العرض يا حضرة الكومسيير (كما كان يسمى المفوض يومها).” أجاب المفوض بحزم: “الأوامر جاءت من والي الشام عارف بك المارديني أطال الله بعمره!” وقف عبد الوهاب الانكليزي وهتف: “فاليسقط الوالي![4]” تحمس الجمهور الغاضب طبعاً ورد بصوت واحد: “يسقط، يسقط، يسقط!” هنا إقترب رشدي الشمعة من المفوض وقال له: “إذهب إلى واليكم وبلغه أن الجمهور المحتشد قد دفع ضعفي اجرة الدخول ليشاهد “جريح بيروت،” وهذا المنع غير قانوني وليس للوالي أن يقدم على ذلك.” هنا تدخل الدكتور الشهبندر، المعروف بهدوئه ودماثته العالية وأضاف: “نحن من المدعويين، ولم ندفع شيئاً ولكن علينا ان نحافظ على حقوق الناس، ولا سيما عن الثلاثمئة شخص الذين يقفون على اقدامهم. فالرجاء ان تتدارك الأمر ونحن في الانتظار.[5]

غاب المفوض قليلا واجرى اتصالاً مع والي الشام ثم عاد وقال أن الوالي قد أهدى الناس “مكرُمة” وسمع باستئناف العرض، مما أفقد الشهبندر صوابه فرد أن حضور العرض هو حق طبيعي لأهالي دمشق وليس مكرُمة، مضيفاً: “خسئ الوالي أن يتصدق علينا!” وصل هذا الكلام فوراً لعارف المارديني عبر أحد المخبرين الكثر المتواجدين في الصالة، فقام بمنع العرض مجدداً، فهاج الجمهور وماج، وارتفعت الهتافات المنددة بالمنع والمطالبة باسقاط الوالي، فنهض نسيب البكري ووجه كلامه للجمهور: “أيها الأكارم، علينا أن نرغم فرقة الشيخ سلامة الحجازي أن تعرض علينا حادثة “جريح بيروت” بالقوة، فهل تحملون أسلحة مهما يكن شكلها؟” علت الخناجر في المسرح استجابة لطلب البكري، ومعها السكاكين والخناجر والمسدسات الحربية، لأن معظم أهالي دمشق كانوا يحملون سلاحاً خفيفاً عند التجوال بعد المغيب، خوفاً من النشاليين واللصوص، وكانوا قد دخلوا المسرح وسلاحهم معهم.

فزع مفوض الشرطة العثماني من هذا المشهد، الذي تحول إلى عصيان مسلح، وعاد واتصل بالوالي، فأمر الأخير بارسال قوة أمنية مدججة بالسلاح إلى ساحة المرجة، قامت بإقفال جميع مخارج ومداخل المسرح، ضاربتاَ طوق عسكري على المكان بعد فتح طريق محمي لمغادرة الفرقة المصرية وعلى رأسها سلامة الحجازي إلى بر الأمان، حيث نقلوا بعربات الخيل إلى قرية المزة لقضاء ما تبقى من الليلة قبل عودتهم إلى مصر عبر ميناء بيروت في الصباح الباكر. هنا طلب الشهبندر التحدث على انفراد مع صاحب المسرح، الخواجة حبيب الشماس ومع مفوض الشرطة متسائلاً عن سبب اللجوء إلى هذه الشدة بالرد، مضيفاً أن الجمهور لم يؤذي أحد ولم يتعرض لأعضاء الفرقة المصرية. “إن المسلحين لا يتعرضون لأحد الا لمن يتحرش بهم، وطالما ان الفرقة قد غادرت المسرح، فلم يعد بالامكان القيام بأي عمل يخل بأمن المدينة، فأرجو ان ينتهي الأمر ويسمح للناس بالخروج والعودة إلى منازلهم، وإلا سوف نبقى معتصمين هنا الا حين فك الحصار عن المسرح.” استمر العصيان حتى الرابعة فجراً، وخرج حينها الجمهور بعد حصار دام أكثر من خمس ساعات. قرر رشدي الشمعة تسطير تلغراف مُستعجل للسلطان العثماني محمد رشاد الخامس في اسطنبول، لشرح ملابسات الحادثة وطلب نقل الوالي عن دمشق بصفته “عدواً للفن ولحرية الرأي والتعبير.” تقدم رجل اسمه عبد القادر انارة، وكان يملك مكتبة قريبة من ساحة المرجة، وفتح غلقها لتأمين الورق الأبيض المطلوب لمراسلة رسمية من هذا النوع. صفق الناس له بحرارة عند احضار الورق ووقع معظمهم على الرسالة، وبقيوا في الساعة حتى الساعة الثامنة صباحاً ينتظرون فتح مكتب البرق والبريد لارسال الكتاب بصفة “مستعجلة” إلى “مقام الباب العالي.[6]

أدرك الوالي العثماني أنه أخطئ التقدير وأن كان من الممكن معالجة الموضوع بشكل مختلف، ولم يستطيع ملاحقة أو اعتقال أحد من الزعماء بسبب وصول الأمر لمسامع السلطان، فطلب وساطة من محمود فوزي باشا العظم، وزير الأوقاف الاسلامية في مدينة دمشق ومن وعبد الرحمن باشا اليوسف، امير الحج الدمشقي. كلاهما كان من أعيان المدينة النافذين والمقربين من اسطنبول وكانت تربطهم صداقة متينة مع الشهبندر وأبهات كل من رشدي الشمعة ونسيب البكري. عقدت المصالحة بين الوالي وبين معتصمي مسرح “زهرة دمشق،” كما أطلق عليهم اللقب، في دار الوجيه أحمد باشا الشمعة في مدخل باب سريجة، بحضور ابنه المشاغب رشدي، وكل من العسلي والانكليزي والشهبندر والبكري، وقدم الوالي اعتذاره وانتهى الأمر عند هذا الحد.[7] الحادثة بمجملها تحمل الكثير من الاشارات عن التوتر الهائل في المجتمع الدمشقي بين الأهالي والسلطات العثمانية في حينها، والتي أدت إلى انفجار عام 1916 عند اعلان الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، وتظهر مدى عطش هذا المجتمع لأي نشاط فكري يكسر قيد الحكم العسكري المفروض عليهم بقوة السلاح منذ وصول “جمعية الاتحاد والترقي” إلى الحكم عام 1908.

 

[1] المالح، وصفي. تاريخ المسرح السوري، 25

[2] نفس المصدر

[3] نفس المصدر، 26

[4] نفس المصدر

[5] نفس المصدر

[6] نفس المصدر، 27

[7] نفس المصدر

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق