حكاية مبنى

ذاكَ القصر … بُني في شارع النصر

| أ. أحمد منصور

لكل شارع أو حي في مدينة دمشق، معلمٌ ما، يُنسب إليه المكان، أو يكون مكان التقاء أو اجتماع، فيقولون أراكَ عند ساحة المرجة، أو عند تمثال صلاح الدين، أو عند باب قصر العدل، وهذا الأخير باب قصر العدل، هو ما يهمنا في مقالتنا هذه، فطالما كان هذا المكان نقطة الدلالة الأشهر على طول شارع النصر، وكيف لا، وهو نقطة الدلالة لكل من يرغب بالزواج، فترى الخاطبان يتواعدان أمام باب قصر العدل، ليوثِّقا عقد قرانهما، وربما إذا لم يحالف زواجهما الحظ، تراهما يتواعدان لحل عُرى الزواج بينهما، فيصبح هذا المكان ذاته، ملتقى الأضداد، الصديق والعدو، الحبيب والمبغوض، ويبقى السؤال الذي يُطرح دائماً، ما قصةُ هذا المكان، وكيف بُني ومن بناه، وكيف انتهت إليه كافة المحاكم العدلية، قبل أن تنتقل وتتوزع بينه وبين بناء وزارة العدل في منطقة المزة ؟

في ساحة المرجة شُيد أول بناء للعدل، دُعي في ذلك الحين (سرايا العدلية) ومكانه بالمنتصف بين دار البريد وفندق أميركا (الذي أصبح فندق الشرق وحالياً فندق عمر الخيام)، كان هذا البناء فخماً جميلاً مبنياً على الطراز العثماني والأوروبي، وقد بُني من طابقين، الطابق الأول وفيه دار البوليس وسجن صغير للتوقيف، والطابق الثاني فيه المحاكم المدنية.

أما المحاكم الشرعية فكانت في زُقاق ضيق يُدعى زقاق الخياطين، قريب من مدفن نور الدين زنكي. وكانت عبارة عن دار قديمة، غرفها مبنية عشوائياً، ثم انتقلت منها إلى إحدى الدور الشامية الكبيرة في حي القنوات، هي دار الحلبوني، لها كما كان للكثير من الدور الشامية برّاني وجوّاني، أما برانيها فهو دار فخري البارودي، الدار التي طالما أقيمت فيها الحفلات الوطنية، وألقيت فيها الخطب، وخرجت منها المظاهرات، والمحكمة هي القسم الجوّاني من الدار، وللدار طبقة عليا يُصعد إليها من سُلمين متقابلين، كانت فيها محكمة التمييز الشرعية (أي محكمة النقض).

وعندما جاء الفرنسيون، وشكلوا المحاكم المختلطة والاستثنائية استأجروا بناءً في شارع رامي هو بناية العابد (التي بناها أحمد عزت باشا العابد) وجعلوها فيها، وقد انتقلت إليها لاحقاً المحاكم المدنية أيضاً، وتُعد من أجمل المباني المشيدة في ذلك الزمان، وما تزال حتى يومنا هذا من أروع الأبنية والآثار العمرانية في مدينة دمشق، على الرغم من وجود تلك الكُتل الإسمنتية قبيحة المظهر التي تشكّلت حولَها.

وكان المحامون يجدون صعوبة كبيرة في التنقل بين هذه المحاكم المُتناثرة، ما يُشكِّل إرهاقاً ومشقة لهم، وفي عام 1948 وبإيعاز من الرئيس شكري القوتلي قامت وزارة العدل بالعمل على إقامة بناء يجمع المحاكم كلها، وتردد الرأي بين أن يُقام في صدر شارع بغداد عند السبع بحرات، أو في موضع المُشيرية بشارع النصر في رأس سوق الحميدية في قلب البلد.

فقد كان الحُكم في الشام أيام العثمانيين، مردُّه إلى اثنين: الوالي والمُشير، أما المُشير فللأمور العسكرية، وأما الوالي فلغيرها من الأمور المدنية، وكان مقر المشير عمارة من الخشب كبيرة جميلة تُدعى المشيرية، ولمّا فتح جمال باشا أول شارع في دمشق سنة 1916 وقعت في أوله. ولما جاء الفرنسيون جعلوها مقر مندوب المفوض السامي أي وكيله ونائبه في دمشق فسميت المندوبية، وعلى هذا البناء استقر الرأي بإشادة (قصر العدل) وقد أُنشأ في ثلاث طبقات من الأمام واثنتين من الخلف، لكل طبقة سقف عالٍ يشابه سقوف المساجد وليس كسقوف البيوت الجديدة التي يقف الرجل الطويل فيمد يده فيبلغ سقفها، وجعلوا لها قوساً يكاد يُقارب بعُلوّه سقف البناء كله، وجعلوه على شكل الأقواس الأندلسية وهي غالباً ثُلثا دائرة، بينها نجد الأقواس التركية نصف الدائرية، ومن الأقواس ما هو أقل من نصفها، وجعلوا للقصر واجهة من الخلف من جهة الجنوب فيها قوس أصغر، وجعلوا طبقتها العليا لوزارة العدل، وقد انتهى بناؤه في عام 1952، في عهد الرئيس أديب الشيشكلي، وأقام افتتاحاً لقصر العدل ليس بعده افتتاح، جمع مختلف السياسيين والوزراء والقُضاة والمحاميين.

ونظراً لمكانة القضاء الشرعي فقد تم أولاً تخيير قاضي دمشق الممتاز، وكان حينها الشيخ علي الطنطاوي، لاختيار مكان محكمته في القصر العدلي، فاختار الجناح الأرضي في الواجهة الجنوبية أي ما تحت الوزارة ونُقلت المحكمة إليها، فكانت المحكمة الشرعية أول محكمة تدخل القصر العدلي.

 

 

المراجع:

كتاب العهد الوطني في ثلاث سنوات.

منتخبات التواريخ لمدينة دمشق – للمؤرخ الدمشقي الشيخ محمد أديب الحصني

مذكرات الشيخ علي الطنطاوي الجزء السابع والثامن.

قصور الحكام في دمشق – الجزء الثاني- للمؤرخ عبد القادر الريحاوي.

دمشق تاريخ وصور – د. قتيبة الشهابي.

حديث دمشقي – نجاة قصاب حسن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق