رأي

دمشق والطرز المعمارية

| م. مالك محاسن

لما كانت العمارة من أهم أدوات التعبير عن ثقافة المجتمع والإنسان فهي بالتالي صفحة مهمة من صفحات تاريخ الشعوب، منها نقرأ العادات والتقاليد وطرق الإنشاء والذوق العام، ولكن وأهم من كل هذا فإنها تتيح لنا قراءة النظام الاجتماعي والسياسي في حقبة ما، ومنها نعرف مدى ما وصلت إليه المجتمعات والنظم السياسية في احترام الإنسان ونظرتها له بكونه فرداً يتمتع بكل الحقوق الإنسانية والعيش المحترم، أي احترام إنسانيته.

فالطرز المعمارية “الكلاسيكية” نقرأ فيها عظمة الدولة المستمدة من عظمة الآلهة، والتي يظهر الإنسان فيها صغير الحجم بالنسبة إلى تلك المعابد والقصور، أما طراز الباروك الذي ظهر في أواخر القرن السابع عشر، أي بعد الحروب الدينية وظهور الدولة القومية، فنقرأ فيه رغبة الملوك في الظهور والتفوق تطبيقاً لمقولة الملك هو ظل الله على الأرض، وأنه هو الدولة، فكانت قصورهم أفخم وأضخم من الكنائس والكاتدرائيات التي اتسمت بالرزانة والهيبة والشعور الخالص بالإيمان.

قصر الاليزيه في باريس
قصر الاليزيه في باريس
قصر اللوفر في باريس
قصر اللوفر في باريس

وجاء بعده طراز الروكوكو الذي هو امتداد لطراز الباروك ولكن كثرت فيه الزخارف المنحنية الخطوط أو اللولبية المستوحاة من حضارات الشرق بعد أن تم استكشافها بواسطة التجار وتبعهم الفنانون، فهذا الطراز إذاً كان يعبر عن بداية أفول الملوك وطبقة النبلاء وظهور طبقة التجار الغنية والمغامرة ولكنها لا تملك تقاليد عريقة ، ولهذا نرى أن هذا الطراز قد تدّخل أكثر من بقية الطرز في كافة مناحي الحياة ، في العمارة في الرسم والنحت والموسيقى والمفروشات وحتى أنه تدّخل في الملابس والطعام وأدواته، وبالتالي خلق منظومة عادات وتقاليد جديدة ونظم سياسية واجتماعيه تُعَبر عن القوى والأفكار التي طرحتها البرجوازية الناشئة.

قصر يجسد عمارة طراز الروكوكو في البرتغال
قصر يجسد عمارة طراز الروكوكو في البرتغال
بحيرة فونتانا دي تريفي في روما
بحيرة فونتانا دي تريفي في روما

وفي تلك الحقبة تحولت الدول القومية إلى دول استعمارية إمبريالية، وأصبحت العمارة تُعبر عن عظمة الدولة التي هي في النهاية هي عظمة الشعوب، ولهذا عندما طلب نابليون الثالث إمبراطور فرنسا من المعمار هوسمان وضع مخطط لباريس يُعَبِر عن عظمتها، صمم له شارع الشانزيليزيه ومحيطه عام ١٨٥٥ وكان قبله نابليون بونابرت الأول قد أشاد قوس النصر حتى تمر من تحته قواته المنتصرة، ومازال هذا الشارع حتى الآن يذكِّرُنا بها.

 شارع الشانزليزيه في باريس
شارع الشانزليزيه في باريس

وبطبيعة الحال كنا في بلادنا بعيدين عن هذه الطرز لعدة أسباب أهمها حالة السكون والركود الثقافي والسياسي التي عشناها لفترات طويلة ، ولكن جاءت الفرصة مع الإصلاحات التي بدأها السلطان عبد الحميد واعتماده على المهندسين الألمان في النهضة العمرانية التي أراد لها أن تكون المُعَبِرة عن تلك النهضة والأفكار والحياة السياسية الجديدة ، فكانت الثكنة الحميدية والمشفى الوطني ومحطة الحجاز ومبنى دار الحكومة ومنزول العابد وغيرها كثير مازلنا نتغنى بها وتجعلنا نَحُنُ إلى تلك الأيام، وكان لأراندا المعمار الإسباني الأصل والذي تعاون مع مايسنر كبير المهندسين الألمان الفضل الكبير في إدخال الطراز المعماري الكولنيالي المنتشر في تلك الأيام إلى دمشق، وقام بنقل الفن المعماري السوري نقلةً نوعية

محطة الحجاز
محطة الحجاز
جامعة دمشق
جامعة دمشق

وفي مرحلة الانتداب الفرنسي لعب المعماريون اللبنانيون دوراً مهما وحاسماً في إدخال طراز العمارة العالمية وتعريف أهالي دمشق على الحداثة وأفكارها وإطلاقهم من أسر العادات القديمة والمساعدة في انفتاحهم الاجتماعي والسياسي، ومن أعمالهم فندق الشرق في ساحة الحجاز وفندق قطان في فيكتوريا وفندق خوام في ساحة المرجة وفندق أمية خلف مدرسة ابن خلدون

مدرسة التجهيز
مدرسة التجهيز
فندق الشرق
فندق الشرق

ثم لعب المهندسون الدمشقيون الذين درسوا العمارة في فرنسا أو في بيروت دوراً مهماً في تطوير العمارة في دمشق فكان من أعمالهم مبنى قصر العدل وبناء وزارة الأوقاف في ساحة الحجاز ومبنى فندق سميراميس في فيكتوريا ومبنى وزارة الإسكان ومبنى المحافظة في بوابة الصالحية مبنى البنك المركزي في السبع بحرات ومبنى البريد في طلعة الحجاز

مصرف سورية المركزي
مصرف سورية المركزي
حديقة المدفع - شارع أبو رمانة - نهاية الأربعينات
حديقة المدفع – شارع أبو رمانة – نهاية الأربعينات

وبهذه الأعمال بدأت دمشق تدخل في العصرنة والحداثة وشُقت فيها الشوارع العريضة التي لم تعتد عليها ولم تعرفها دمشق سابقاً كشارع بغداد وأبو رمانة والمالكي وغيرها، وبدأت المدينة تُعَبر عن ذاتها كمدينة حديثة خرجت من ثقافة الحارات والعادات القديمة، ثقافة الخوف من الحاكم إلى ثقافة جديدة تندمج مع ثقافة العالم في الحداثة التي أساسها احترام الإنسان واحترام كرامته واحترام عقله وفكره، وتُعَبِر عن نظام سياسي يحترم إرادة الناس ويطلق لهم الحرية في اختيار طريقة عيشهم.

حي الروضة
حي الروضة

وانطلقت دمشق…  ولكن ولأنها دائماً تشعر بنفسها بأن من واجبها تقديم شيئاً للحضارة الإنسانية ، فإنها أطلقت طرازاً معمارياً جديداً يمكننا أن نطلق عليه الطراز التكريتي ( المهندسون يعرفون ما أعني ) هذا الطراز الفاقد للروح، والمُضطهد للإنسان بل إنه طراز يمتهن الكرامة الإنسانية قبل أن يمتهن تاريخ المدينة وعراقتها وعراقة ناسها ، ناسها الذين أخذهم تيمورلنك معه ليبنوا له مدينة سمرقند، ناسها الذين بنوا الأندلس، إنه طراز يحطم ويستهزئ بكل قواعد الجمال، هذا الطراز الذي إعتمدته مؤسسات الدولة التي تُعنى بالإسكان والبناء ، وخاصةً مؤسسة الإسكان العسكرية ومؤسسة الإسكان العامة، وأيضاً بعض المهندسين الكسالى الذين قبل أن نطالبهم بإحترام المدينة وخصوصيتها وطموحها كان علينا أن نطالبهم بإحترام أنفسهم أولاً . ولتوضيح المعنى ، علينا أن نُجري مقارنة بين ما بُني على الطراز الحديث المُحتَرِم للإنسان، وما بُني على الطراز التكريتي في شارع واحد فقط وهو أوتوستراد المزة.

الطراز التكريتي
الطراز التكريتي
الطراز التكريتي
الطراز التكريتي

وأيضاً لنقارن بين المساكن الشعبية التي دشنها شكري القوتلي وأُطلق عليها اسم مساكن الوحدة والواقعة بجانب ملاعب الجلاء بالمزة والتي مازالت إلى الآن مرغوب السكن فيها، وبين السكن الشبابي “التكريتي” الذي انتشر بكامل نواحي دمشق والذي أقل ما يقال فيه أنه يشوه الإنسان ويحتقره قبل أن يشوه المدينة ويحتقرها.

صورة توضح الفارق بين الطراز التكريتي والطراز الثلاثينيات
صورة توضح الفارق بين الطراز التكريتي والطراز الثلاثينيات

والآن وبالعودة إلى بداية المقال ، وإذا أردنا أن نقرأ ثقافة المجتمع والنظام الإجتماعي والسياسي لهذه الحقبة من خلال قراءة عمارتها … أترك لكم الجواب والتمعن .

أما الحل ، فهو بالعودة إلى أساس الحياة الإنسانية وهو الحفاظ على كرامة الإنسان ، هذه الكرامة التي دُفع ثمنها دم كثير روى هذه الأرض ، وإحترام خصوصية الجغرافيا والبيئة والنشاط الإقتصادي وهوية المجتمعات ، لأنه لا يُعقل أن تكون العمارة في دير عطية والقامشلي ودرعا مثلاً ، مثلها مثل العمارة في دمشق ، وكلها طراز “تكريتي” واحد ، فلكل مدينة أو قريةخصوصيتها وطريقة حياة بل لكل شارع أو جادة في المدينة يجب أن تكون له خصوصيته ، وإن العاصمة يجب أن تُعَبِر عن تاريخ وعظمة هذا الشعب العريق الذي أسأنا له كثيراً بإعتمادنا على “التكريتي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق