ملفات خاصة

دمشق بعل

| م. مالك محاسن

دمشق وعبر تاريخها الطويل لم يحكمها القانون وخاصة القوانين العمرانية إلا في الفترة الرومانية ، فهي الفترة الوحيدة تقريبا التي نرى فيها بداية مخطط تنظيمي إستند على ما بدأه الإغريق ، ترتسم عليه الشوارع والحارات ويقسم المدينة الى مقاسم ويحدد نوع استعمالاتها .

وكانت دمشق آنذاك يتحكّم بها ثلاثة عناصر عمرانية وهي معبد جوبيتر الذي كان معبداً للآلهة حُدُد والآغورا وهي ساحة المدينة وموقعها شرقي القيمرية وكانت موصولة بالمعبد عبر طريق الاعمدة والعنصر الثالث هو المسرح الروماني وموقعه حالياً في سوق الصوف . وكانت دمشق يسكنها آنذاك العرب واليونان والروم ويدينون بالوثنية بالإضافة الى اليهود ، وعندما اعترف قسطنطين بالديانة المسيحية ديناً للدولة عام ٣٤٥ ميلادي اصبحت دمشق مؤلفة من ثلاثة مناطق ، المنطقة الشرقية من باب توما يسكنها الانباط وهم المسيحيون السريان ، والمنطقة الغربية من باب توما ( القيمرية حالياً ) ويسكنها المسيحيون الروم وبقي اليهود في مكانهم .

دمشق الرمانية
دمشق الرومانية
دمشق الأيوبية
دمشق الأيوبية

 

 

 

 

 

 

ودام الحال على ذلك الى أن قرر الوليد بن عبد الملك بناء الجامع الأموي وإعطاء المدينة الصبغة العربية الإسلامية بعد أن استقرت له الأمور وغادر من غادر مع الجيش البيزنطي من النصارى الروم الملكيين بينما بقي السريان النساطرة والارثودوكس في دمشق وكان من نتائج هذا التحول أن المنطقة المسيحية الغربية ( القيمرية ) أصابها الإهمال لغياب أكثر أهلها بينما المنطقة غرب الأموي غزاها البناء وسكنها المسلمون ولكن وعلى ما يُعتقد أنهم بنوا بدون خطة واضحة .

دمشق القديمة
دمشق القديمة

وبعد سقوط الدولة الأموية وتخريب العباسيون لمدينة دمشق ، غابت دمشق وأصابها الإهمال وتركها كثير من أهلها إلى أن جاء نور الدين زنكي وبعده صلاح الدين الأيوبي ، وبسبب قلة عدد السكان إعتمد صلاح الدين على الأكراد الذين سكنوا فيما بعد دمشق وأسسوا أول المستوطنات خارج السور في الجنوب الغربي ( قصر الحجاج ) وفي الشمال حي العقيبة وبسبب إعادة ترميم القلعة وتوسيعها وجعلها مقراً للحكم إتجه الناس الى البناء بقربها من الجهة الشمالية الغربية وخاصة الأسواق ، ولكن التجمع المهم للأكراد كان في الصالحية ، وأيضاً كان البناء بدون خطط موضوعة ، ولهذا نرى ذلك التداخل العجيب بين العناصر العمرانية كالقبور والمدارس والترب والمساجد والمنازل ، وكان كل يبني حسب قدرته المالية وموقعه في الدولة ، وليس بناءً على مخطط ينظم الشوارع والمحلات السكنية أو التجارية وغيرها ، وهذا ما حصل أيضاً في المدينة داخل السور ، كل ذلك لأن العمران الإسلامي لم يعتمد سياسة مركزية للعمران وإنما خضع لنظام الحسبة التي تقوم على القاعدة الفقهية لا ضرر ولا ضرار ، ولهذا كان نمو المدينة نمواً عشوائياً تحدده حاجة السكان وليس متطلبات الدولة أو المدينة .

المهاجرين 1910
المهاجرين 1910

واستمر هذا الحال في عصر المماليك والعثمانيين ، كل يبني كما يشاء ، وحتى في أواخر العهد العثماني ورغم دخوله في عصر الإصلاحات فإن السياسة العمرانية حاولت التطور من خلال وضع شروط البناء وفتح الشوارع ، ونستطيع القول إن المنطقة الممتدة من جامعة دمشق ( الثكنة الحميدية ) مروراً بمشفى الغربا ( الوطني ) والتكية السليمانية وصولاً الى القلعة وسوق الحميدية هي منطقة عثمانية حديثة إستفادت من رغبة الولاة الجدد في البناء والتحديث وخاصةً الولاة مدحت باشا الذي أجرى توسيع الشارع المستقيم ثم تم توسيع سوق الحميدية وناظم باشا الذي أولى منطقة المهاجرين اهتمامه الخاص وأصدر مخطط تنظيمي بشوارع متعامدة، وأوصل لها المياه والترامواي ، وجمال باشا الذي أجرى توسيعاً لشارع الملك فيصل وشق أهم وأعرض وأجمل شارع في دمشق وهو شارع جمال باشا( النصر) ، ومع ذلك نستطيع القول أن ذلك البناء تم بشكل مبعثر وليس من خلال تصور عام للمدينة ، فكان السكان يبنون أولاً على محاذاة الطرقات ثم تتكون الحارات ، أي بمعنى آخر كان البناء عشوائياً لايخضع إلا للقاعدة الفقهية ، لا ضرر ولا ضرار .

شارع النصر وساحة الحجاز عام 1946
شارع النصر وساحة الحجاز عام 1946

وفي الحقيقة لم يدخل التنظيم المديني الشامل إلى دمشق إلا بعد دخول الفرنسيين إليها ، فقامت السلطة أولاً بتنظيم مخطط الكاداسترو وانتهى العمل به عام ١٩٣٤ وفي عام ١٩٣٨ أنجز الفرنسي دانجيه أول مخطط تنظيمي لمدينة دمشق حدد فيه التوسعات للمدينة باتجاه قاسيون وقرية المزة ومنطقة الميدان ، آخذاً بعين الإعتبار شارع بغداد الذي تم شقه عام ١٩٢٧ لضرورات عسكرية، وقد إتبع فيه نهج المهندس الفرنسي هوسمان الذي نظّم مدينة باريس ، والذي يعتمد على الشوارع العريضة التي تبدأ من ساحة دائرية وتنتهي بساحة أخرى ، فكانت ساحة السبع بحرات ومنها إلى ساحة التحرير أو ساحة النجمة أو ساحة المحافظة ، وبالتالي كل ساحة تكون منطلقاً لساحة أخرى.

شارع أبو رمانة عام 1955
شارع أبو رمانة عام 1955

وكان من نتاج هذا التنظيم شارع ابو رمانة وشارع العابد ومحيطه وساحة النجمة ومحيطها ، وهي مازالت الى الآن أجمل مناطق دمشق عمرانياً ومعمارياً ، وكان الاساس الثاني لهذا التنظيم ، هو المحافظة على المناطق الخضراء كما هي ومنع البناء فيها ، وسمح فقط بإختراقها بالشوارع العريضة للوصول إلى المناطق السابقة الذكر ، ولهذا كانت دمشق من أجمل المدن الشرقية.

ولكن هذه الفترة لم تدم أكثر من خمس عشرين سنة بين عامي ١٩٤٠ و١٩٦٥ ، حيث جاء إيكوشار عام ١٩٦٤ ليستكمل ما بدأه دانجيه ، ولكن مخططه لمدينة دمشق لم تلتزم محافظة دمشق بما جاء فيه إلا من حيث

شارع النصر عام 1956
شارع النصر عام 1956

مسارات الشوارع الرئيسية فقط ، فكانت التدخلات السياسية والهجرات الداخلية أسرع من قدرة المخطط والمدينة على إستيعابها ، وعادت دمشق إلى العشوائية والفوضى العمرانية ، ليس فقط بظهور مناطق المخالفات التي باتت تشكل٦٠/. من مجموع المباني بدمشق ، بل أيضاً بالقرارات الإرتجالية التي زادت من نسبة عامل الإستثمار الطابقي دون لحظ ضرورة زيادة الخدمات الضرورية لهذه الكثافة السكانية الطارئة ، فبدأت تظهر المحلات التجارية والمطاعم والمكاتب ضمن الأبنية السكنية مما سبٌب إختلاط الحابل بالنابل ، وفقدت دمشق الأسس المدينية والمدنية ، وأصبحت كلها وعلى كامل رقعتها الجغرافية وحتى بساتينها ، مدينة بناء عشوائي ، كما كانت في السابق ، بل أسوأ ، لأنها بَنَت بدون مراعاة القاعدة الفقهية ، لا ضرر ولا ضرار . فكانت وكأنها كشجرة برية نمت بقوة الطبيعة والإله بعل . أما الحل ، وحسب ما نراه ، هو إعادة النظر بكل شئ ،

 

  • أولاً : إعادة توزيع المساحات المخصصة للخدمات ، مدارس، محلات تجارية ، مواقف سيارات ، مستشفيات ، حدائق … الخ ولو إضطر الأمر إلى هدم بعض الأبنية لتخصيصها لهذه الخدمات والمرافق ، ومثال ذلك أوتوستراد المزة مثلاً .
  • ثانياً : إعادة النظر بمركز المدينة ، ساحة المرجة ومحيطها ، وشارع النصر ، وهدم الأبنية التي ظهرت في لحظة غفلة من الزمان ، وإعادة بنائه من جديد بشكل يُعبر عن أهمية هذه المدينة وعراقتها ، وتحويله إلى منطقة مشاة وخدمات سياحية فقط .
  • ثالثاً : إعادة البساتين والحدائق إلى دمشق ، وخاصةً في المناطق المُدمرة ، وأن نعتبر هذا التدمير فرصة لمحوِ الأخطاء السابقة ، ماروتا مثلاً وكامل الحزام الأخضر الذي كان يحيط مدينة دمشق .
  • رابعاً : معالجة مشكلة العشوائيات بالتعاون مع الشركات العقارية الإستثمارية .
  • خامساً : وضع حلول تجميلية للمدينة بالتعاون مع كليات الفنون والعمارة .
  • سادساً : وضع مصور توجيهي للمدينة داخل السور وعدم ترك الأمور فيها سائبة وبيد المستثمرين .
  • سابعاً : إعادة الإعتبار للمواطن وسماع رأيّه ومشاركته في القرارات الخاصة بمدينته ، بإعتباره هو الأساس والهدف .
دمشق عام 2000
دمشق عام 2000
دمشق عام 2010
دمشق عام 2010

 

 

 

 

 

 

ختاماً نحن لم ندخل بتفاصيل التنظيم العمراني ، وكل ما نريد قوله ، أن المدينة هي طريقة للعيش ونمط للحياة يختارها الإنسان حسب أهوائه وثقافته ، وليست هي خيار الضرورة ، ولهذا يجب أن تتحلى كل مدينة وكل قرية بطابعها الخاص وثقافتها المتوارثة ، وعلى رأسهم مدينة دمشق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق