ملفات خاصة

دمشق السبَّاقة بإنشاء المدارس: مدارسها التاريخية تُعاني

| أ.د عمار محمد النهار

تعددت الآراء في أول مدرسة أُنشئت، ويعود ذلك إلى الخلط بين المدلولات والمصطلحات، فعندما نبحث في تاريخ المدارس الإسلامية يجب أن نتجنب التعبيرات ذات المدلولات العامة غير المحددة، فقد اعتاد بعض الكتاب المعاصرين في كتاباتهم عن التاريخ الإسلامي وحضارته أن يطلقوا كلمة المدرسة على كل معهد علمي، وهذا يعني أن فكرة المدرسة ـ ذات الهدف المعين والنظام المخصوص التي تسير عليه، وكان لها في خدمة التعليم الجامعي الإسلامي دور بارز له مميزاته وخصائصه ـ لم تظهر إلا بعد القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وهي بالطبع نتيجة لخطوات أخرى سابقة لها كالمساجد ودور العلم والمكتبات والأسواق والمنازل وغيرها([1]).

فلم تكن المدرسة الرسمية معروفة قبل القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، وأول من حُفظ عنهم أنهم بنوا مدرسة في التاريخ الإسلامي هم أهل نيسابور، إذ بنى الأمير نصر بن سبكتكين المدرسة البيهقية والمدرسة السعيدية([2]).

ويرى بعض المؤرخين أن أول من بنى المدارس في التاريخ الإسلامي واقتدى به الناس بعد ذلك الوزير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي وزير السلطان السلجوقي ملكشاة ألب أرسلان بن داود، شرع ببناء مدرسته النظامية الكبرى ببغداد عام 457هـ / 1064م([3]).

أما في دمشق, فإن أول مكان منفصل عن المسجد كانت تُلقى فيه الدروس, ويُخصص له المدرسون والأوقاف هو «خانقاه دويرة حمد» التي أُسست نحو سنة 400هـ / 1009م (وقد اندثرت), أما المدرسة الثانية فهي «دار القرآن الرشائية» التي أسست في أوائل القرن الخامس الهجري تقريباً / الحادي عشر الميلادي, والمدرسة الثالثة هي المدرسة الصادرية (وقد أُزيلت وشُق مكانها طريق) التي تُعد أول مدرسة فقهية حنفية في دمشق, ولكن ليس أقدم مدرسة فيها, لأنها بنيت سنة 491هـ / 1097م.

أما أول مدرسة بُنيت في القاهرة فهي المدرسة الناصرية المؤسسة سنة 566هـ / 1170م.

وهكذا ترى أن دمشق سبقت بغداد بتأسيس المدارس بنحو ستين عاماً, وسبقت القاهرة بمائة وستة وستين عاماً, وسبقتها بلاد ما وراء النهر بأكثر من مئة عام.

وقد تطور عدد المدارس في دمشق خلال ألف عام تقريباً, كما يأتي:

– في عصر السلاجقة كان عددها 17 مدرسة.

– وفي عصر نور الدين وصلاح الدين أصبح 32 مدرسة.

– وفي القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي (في العصرين الأيوبي والمملوكي) أصبح العدد أكثر من 90 مدرسة.

– وفي القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي (في العصر المملوكي) بلغت 115 مدرسة.

– وفي القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي (في العصر المملوكي) ارتفع العدد إلى 150 مدرسة.

– وفي العصور التالية بدأت المدارس تخرب وتندثر([4]).

والغريب أن من أشكال ضياع هذه المدارس تغييبها ضمن المحال التجارية، ورافق ذلك طمس لمعالمها وللنقوش الكتابية فيها.

فنجد مع الأسف الشديد أن المدرسة العصرونية مثلاً (التي أسست سنة 575هـ / 1179م) وكانت تقع في سوق العصرونية الشهير، تحوّلت اليوم إلى محلات تجارية، في أحدها يرقد ابن أبي عصرون الذي سُمي السوق باسمه([5]).

وكذلك المدرسة الناصرية الجوانية (التي أسست 654هـ / 1256م داخل باب الفراديس شمالي الجامع الأموي، والتي بناها الملك الناصر يوسف بن صلاح الدين يوسف بن أيوب) لم يبق منها اليوم سوى جدارها الشمالي، أما داخلها فتحوّل إلى مكان للتبوّل والقمامة، ودخلنا إليها بصعوبة لشدة الروائح الكريهة المنبعثة منها !!. وذكر مؤرخ أوابد دمشق العمرانية عبد القادر بدران (توفي 1346 هـ / 1927م) أن العوام في عهده كانوا يسمُّونها حبس الأموات، إذ كان يُحبس فيها المدين للمُتوفى، حتى يتطوع الناس لدفع دَينه ([6]).

وأُريد أن أصل من التمهيد السابق إلى مدرسة دمشقية عمرانية أثرية رصدناها منذ أيام قارب عمرها عشرة قرون، فوجدناها تضيع بين محلات تجارية ومستودعات التجار، (بل صارت جدرانها تحتوي ذلك)، وبُني فوقها مبانٍ سكنية، وقد استطعنا الوصول إليها والتعرف عليها بصعوبة كبيرة وفقاً للمخططات والخرائط المتعلقة بتاريخ دمشق والمتوفرة بين أيدينا.

هذه المدرسة هي المدرسة الحنبلية الشريفية، موقعها عند القباقبية العتيقة كما كانت تُسمى قديماً، عند تقاطع العمارة الجوانية اليوم، والتي أُسست سنة 530هـ / 1135م فهي من أقدم المدارس في دمشق، واقفها العالم عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج الحنبلي عبد الواحد بن محمد الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي، الفقيه الواعظ شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم، وقد توفي سنة 536هـ / 1141م ([7]).

تظهر هذه المدرسة في الصورة المرافقة لهذا البحث، وقد وصلنا إلى مخطط واجهتها الذي يتطابق تماماً مع الصورة، ويظهر ضياعها مؤلماً بين المباني السكنية والمحلات والمستودعات التجارية، وهذا يدعو إلى تحمل المسؤولية منّا جميعاً تجاه آثارنا عامة وآثار مدينة دمشق خاصة، لأنها تمثل تاريخ عشرات القرون، وتسطر تاريخ أجدادنا وآثارهم وإنجازاتهم.

ومما يبعث على الأمل بعودة دمشق نقطة استقطاب رئيسة بأسواقها ومطاعمها وأوابدها العمرانية قيام جامعة دمشق بعدد من المشاريع التي تركزت على عدد من المواقع والمنازل الأثرية مثل حي ساروجة، ومن دواعي الأمل أيضاً قيام المديرية العامة للآثار والمتاحف بترميم دار الحديث النورية وافتتاحها، وهذه كلها أعمال خجولة أمام حجم الإهمال الكبير، لعلها تُعزَز بأعمال أكثف وأوسع، وهذا كله منوط بوزارات الثقافة والسياحة والصناعة ومحافظة دمشق والجمعيات الأهلية.

 

([1]) انظر تاريخ الجامعات الإسلامية الكبرى: محمد عبد الرحيم غنيمة، تطوان، دار الطباعة المغربية، 1953م، ص66، 67.

([2]) انظر الخطط المقريزية أحمد بن علي المقريزي (توفي 845هـ / 1441م)، بيروت، دار صادر، ج2، ص363. حسن المحاضرة: عبد الرحمن السيوطي (توفي 911هـ / 1505م)، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1997م، مج2، ص223، 224.

([3]) وفيات الأعيان: أحمد بن محمد بن خلكان (توفي 681هـ / 1282م)، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ج2، ص129.

([4]) انظر مقدمتي على كتاب الدارس في تاريخ المدارس: عبد القادر النعيمي (ت 927هـ / 1520م)، إعداد وتهذيب: عمار محمد النهار، الهيئة العامة السورية للكتاب، ط1، 2014م، ص11 – 13.

([5]) الدارس في تاريخ المدارس: النعيمي، ص82، 83.

([6]) الدارس في تاريخ المدارس: النعيمي، ص94، 95.

([7]) الدارس في تاريخ المدارس: النعيمي، ص142، 143.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق