مقالات

حيطان الشام

سؤال خطر على بالي : هل نستطيع قراءة تاريخ الشام الثقافي من حيطانها. ؟؟ فمن يتمعن النظر في حيطان الشام داخل السور ، يرى أنها كانت تُعبر عن الثقافة الغالبة في تلك الأيام ، فهي خالية من النوافذ المطلة على الحارة ولكنها مع ذلك كانت نظيفة ويعتني بها مُلاكها بطلائها بالكلس سنوياً ، ولم تكن الحياة آنذاك تتطلب استعمال الجدران للتعبير عن موقف سياسي لأن الحياة السياسية كانت معدومة آنذاك. وكان هناك قانون حاكم للمجتمع / هو قانون العيب / والحادثة الوحيدة التي استُعمِلت فيها الجدران للتعبير عن موقف ، كانت في بداية حوادث عام / ١٨٦٠/ عندما رسم بعض زعران المسلمين الصليب على ارض الشارع وعلى أبواب منازل المسيحيين.

وعندما بدأت المدينة بالتوسع خارج السور منذ بداية الإنتداب الفرنسي كانت حيطان الشام في هذه المناطق تتغطى بالياسمين البلدي والعراتلي والمجنونة ، وتحركت الحياة السياسية في المدينة ، ولكن وبسبب الرقابة على الصحف آنذاك ، استعمل الشوام جدران المدينة للتعبير عن مواقفهم بلصق المنشورات عليها ، ومنذ تلك اللحظة أصبحت حيطان المدينة أداة للتعبير عن ما هو مكبوت أو ممنوع ، واستفحلت هذه الظاهرة في الخمسينات من القرن الماضي عندما أصبح التنافس السياسي على أشده بين التيارات السياسية ، وأصبح الماشي في المدينة يقرأ الحيطان وكأنه يقرأ صحيفة أخبار ، مثل :

“البعثية نزلت عالشارع”

“الاسلام هو الحل”

“ثلاثة من صنع اليهود الماسونية والصهيونية والشيوعية”

“أهدافنا وحدة حرية اشتراكية”

” عبد الناصر زعيم الأمة العربية “

“يا عمال العالم إتحدوا “

ولكن وبنفس الوقت أصبحت بعض الحيطان مشاخخ للعابرين بعد أن ألغت المحافظة الكثير من المراحيض التي كانت دمشق تشتهر بها ، لأن عند أهل الشام من المُعيب التبول في مكان لايتوفر فيه ماء حرصاً منهم على نظافتهم الشخصية ، وأصبحنا نقرأ مثل: “كلب ابن كلب من يبول هنا”

وأما في الستينات وأوائل السبعينات ومع إنتشار المقاومة الفلسطينية واستفحال التنافس بين اليمين واليسار ، أصبحت حيطان الشام مستباحة تماماً ، وأصبحنا نقرأ عليه شعارات مثل:

“المقاومة الشعبية هي الطريق الى فلسطين”

“تحرير فلسطين لايكون إلا بالقضاء على الرجعية العربية”

“أبو الجماجم مر من هنا”

” جنوب لبنان هانوي العرب”

وكنا عندما نمر بجانب حائط نظيف نعلم أن المقاومة لم تمر من هنا .

نعم لقد كانت حيطان الشام تُعبر عن ثقافة المجتمع الشامي وحرصه على مدينته ثم أصبحت متنفساً للكبت السياسي والأخلاقي ، وكانت تُعبر عن طابع المرحلة التي تعيشها المدينة ، ومن يسير في شوارع الشام الآن يقرأ تماماً المرحلة التي نعيشها ، ونستطيع أن نلخصها بكلمتين ، إختلاط الحابل بالنابل ، فبعض حيطانها أصبحت مشاخخ مُعترف بها فلا تسطيع أن تمر بالقرب منها بسبب الرائحة الكريهة في بلد يسمونه مدينة الياسمين ، أو يُعلّق عليها كلاسين وأحذية كجدار جامعة دمشق ، وستجد أن أبو الجماجم نفسه قد أصبح بائع هذه الكلاسين ، أو مجمعاً للقمامة التي يكون علوها بعلّو الحيط ، وبعضهم لصق هذه القمامة على حيطان المدارس تحت شعار تدوير النفايات ، أو مقاهي منتشرة في كل مكان مخصصة للأراكيل وكلها مخالفات سمحت بها محافظة دمشق مستبيحةً حقوق الشام وأهل الشام ،،،،،،،،،، .

ولكن،،،، نحمد الله أن داعش لم تمر من هنا،،، لكان أكتمل النقل بالزعرور

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اعتقد ان الحيطان حتى في الدول المتقدمة أخذت الطابع التعبيري عن الإيجابيات والسلبيات في المجتمع وتزداد شدة عند انعدام حريه الصحف او المنفذ الإعلامي لفئه معينه او لان التعبير على الجدار مجاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق