مقالات

بدنا نعيش…يا محترم

| سامي مبيض

منذ أشهر كنت في حديث مع الفنان الصديق حسام تحسين بك، عن مشهد قديم من مسلسل “وادي المسك” يظهر فيه اثنان من رجال البوليس وهما يتجاهلان عملية خطف يقوم بها المرحوم ناجي جبر أمام أعينهما.

في المشهد الجميل الذي كان سبّاقاً لعصره، يقول حسام للفنان الحلبي الكبير محمد طرقجي: “دير وشك هالناح وعميل حالك مو شايف.”

وعندما يسألُهما مديرُهما الصارم عن سبب هذا الفلتان، يأتيه الجواب: “بدنا نعيش…يا محترم.”

ثم يقول محمد الطرقجي لأحد المغتربين العائدين إلى الوطن: “شو الفايدة إذا منشوف شي ومنكتب شي؟ هاد أخو فلان، وهاد صهر فلان، وهاد جار فلانة…البلد ما عاد مثل ما تركته يا ابني.”

وتتكرر التنبؤات في المسلسل المنسي: أزير الرصاص في سماء الأحياء السكنية، تزوير اوراق قانونية، مخالفات بناء، وصول “غارسون” الى منصب سياسي رفيع، تحويل رجل القانون الى “غارسون”…وأخيراً فتح مستشفى مجانين، للسليمين عقلياً.

ابتسم حسام تحسين بك لاسترجاع تلك الذكريات، ولمدى تشابه تلك المشاهد الدرامية بواقع اليوم.

“صحيح، كيفو محمد طرقجي؟”

“هو بخير وبصحة جيدة وقد قارب المئة من العمر. وهو يعيش حالياً في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام ١٩٩٧.”

ولكن محمد الطرقجي، خفيف الروح، طيب القلب، عاشق للحياة، فارقها صباح هذا اليوم…بعيداً عن زملائه ووطنه…بعيداً عن حلب.

توفي فهيم بك في “حمام الهنا” وصاحب بدلة عيد في “وين الغلط،” وقد يكون آخر الأبناء المؤسسين للإذاعة والتلفزيون.

عاش حياة مديدة، وشهد نهضة مدينته العظيمة، صناعياً وتجارياً وفنياً، ثم خرابها وحرائقها.

وطوالَ هذا الخراب، كان يتألم بصمت، مُكرراً كلام “أبو زكي” في وادي المسك: “بدنا نعيش …يا محترم.”

لمحمد الطرقجي الرحمة ولحلب الجميلة طول البقاء من بعده.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق