رأي

الكتاب … والحذاء … وكرامة الدولة

| المعمار شارل كسّاب

في الستينات من القرن الماضي، أعلنت مؤسسة “لاروس” الفرنسية أنها ستغلق أبوابها بسبب الضائقة المالية التي تمر بها، هذه الضائقة التي سببتها ثورة الشباب على الثقافة الكلاسيكية آنذاك، ومؤسسة لاروس كانت من أهم أدوات فرنسا في نشر الثقافة الفرنسية وهي صاحبة قاموس لاروس الشهير وناشرة “انسيكلوبيديا لاروس” التي تُعتبر وتضاهي “الأنسيكلوبيديا” البريطانية، وعندما عَلم الرئيس شارل ديغول بهذا الخبر طلب من حكومته إعانة هذه الدار بالمبالغ اللازمة لأن هذه الدار هي رمز وفخر الثقافة الفرنسية بل هي كرامة فرنسا.

هذه الحادثة استرجعتها في ذهني عندما ذهبت منذ يومين إلى مكتبة دار اليقظة العربية الواقعة بين مقهيي الكمال والهافانا ، وكنت أبحث عن كتاب لم أجده في بقية المكتبات ، لأفاجئ بأن المكتبة تحولت إلى دكان لبيع الأحذية ، وأصبحت واجهة الدكان تعرض الأحذية بدلاً من الكتب ، هذه المكتبة التي كانت مع بعض أخوات لها كالمكتبة العمومية ومكتبة ميسلون ومكتبة نوبل ومكتبة النوري ومكتبة الزهراء هي الدور التي نشرت الثقافة بكافة تياراتها، من اليمين إلى أقصى اليسار، فكانت مكتبة ميسلون وهي بجانب مكتبة نوبل مقابل فندق الشام هي المكتبة التي يرتادها اليساريون وأصبحت الآن مقهى للأراجيل، ومكتبة الزهراء أغلقت أبوابها، والمكتبة العمومية وهي من أول المكتبات في دمشق وكان موقعها في المبنى الذي بناه وسكنه المعمار “أراندا” مقابل سينما الأهرام ،وهي مكتبة كانت مختصة بـ “يمين الوسط”  والكتب الأجنبية وخاصة منشورات الأمم المتحدة وكان يديرها لمدة أربعين سنة السيد ريمون بولص رحمه الله وكان ينصح الزبائن بالكتب المهمة لأنه قرأها كلها.

أما مكتبة النوري فكانت للمهتمين بالتاريخ الإسلامي والدراسات الحقوقية والمالية، ومكتبة نوبل متخصصة تقريباً بالأدب العالمي أو الكتب ذات الاتجاه القومي السوري، ومكتبة الزهراء اختصت بنشر كتب الشيوعية السوفييتية، أما مكتبة دار اليقظة العربية فاسمها يدل على محتواها، فكانت مهتمة بنشر الكتب الأجنبية المُترجمة وخاصةً الكتب الطليعية التنويرية، واتفق مالكها السيد محمد حمدان مع الدكتور سامي الدروبي لترجمة أمهات كتب الأدب الروسي، وكان بداخلها فسحة مخصصة لجلوس المثقفين والقراء، فكانت ملتقى للمثقفين السوريين واللبنانيين والأردنيين، وهي كالمكتبة العمومية من أقدم المكتبات في دمشق، فكانت هذه المكتبات تتنافس على نشر الثقافات المتعددة المشارب في دمشق، وكنا نعرف الاتجاه السياسي للقارئ بمجرد رؤيتنا له يدخل إحداها، وكان لوزارة الثقافة والحق يُقال دوراً هاماً في نشر الثقافة من خلال تبنيها لمشروع الكتاب الرخيص الثمن وترجمت كتباً هامة من الأدب العالمي .

نعم كانت تلك الفترة، هي فترة الحراك الثقافي بكل مناحيه بالمسرح القومي والمسرح الطليعي والمسرح الجامعي والمسرح العسكري والمراكز الثقافية والأسابيع السينمائية للأفلام الطليعية والجادة.

أسماء كثيرة مرت أو سكنت دمشق كان لها الدور الكبير في بناء الثقافة، بل هم الذين ساهموا في جعل دمشق قلب العروبة النابض وهم الذين أعطوها “حق الفيتو” لتستعمله ضد أي فكر غير مستنير ولا ينطلق من أفكار العصر.

فهل يريدون منا أن نستبدل الماغوط وعدوان ونزار وسعدالله ونوس وحنا مينه وزكريا تامر ومحمود درويش وغادة السمان وغيرهم كثير بـ “أديداس” و”نايكي” وريبوك”.

إنها كرامة الدولة ياسادة كما قال ديغول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق