ملفات خاصة

الهجرة والمهاجرين… الارمن ودمشق(2)

 

بدأت العلاقات الأرمينية وسورية منذ عهد الامبراطور ديكران الثاني / ٩٥-٥٥ / ق م عندما توسع في فتوحاته جنوباً حتى وصل دمشق حيث مكث فيها / ١٨ عاماً /، ولقد دفع الارمن مثلهم كمثل باقي شعوب المنطقة ثمناً باهظاً بسبب موقع أرمينيا الجغرافي الفاصل بين الفرس والبيزنطيين، وعند كل حملة من الشرق الى الغرب أو العكس كان الأرمن يعانون من ويلات هذه الحروب التي تدفعهم للهجرة الى الجنوب.

وفي عام /٦٥٤ / م احتل العرب مدينة دفين في أرمينيا ونقلوا الى دمشق / ٣٥٠٠٠ / أسير من أسرى الحرب ، ولقد شكل هؤلاء أول مجتمع أرمني في دمشق ، وجلبوا معهم بعض المهن منها الصياغة وحياكة النسيج من الحرير .

في عام / ١.٤٥ / ميلادية فقد الأرمن استقلالهم إثر استيلاء قوات الروم على عاصمتهم مدينة (آني) بعد معركة ملاذ كيرد بين البيزنطيين والسلاجقة، فهاجر الارمن جنوباً الى كيليكيا وأنشأوا إمارة بقيادة الأمير روبين واستمرت حتى عام / ١٣٧٥ / ميلادية ونتيجةً للقرب الجغرافي توارد الأرمن الى حلب ودمشق ونشأت علاقات طيبة بينهم وبين الحمدانيين.

بعد مؤتمر برلين عام /١٨٧٦/ م أخذ الاضطهاد العثماني للأرمن شكله المنظّم ، فبدأت هجرات الأرمن الى بلاد الشام وتوافدوا بأعداد كبيرة وكانت ذروتها عام  /١٩١٥/ م ، وعلى إثر هزيمة السلطنة العثمانية عام /١٩١٨/ عاد الكثير من الأرمن الى مدنهم التي كانوا فيها وخاصةً مرعش وعينتاب وأضنة وأورفه ، ولكن سرعان ما هُجِروا مرة أخرى على إثر توقيع اتفاقية أنقرة الأولى عام /١٩٢١/ بين فرنسا وتركيا فعادوا الى سورية مرةً أخرى حيث بلغ عددهم ما يقارب / ٢٠٠٠٠٠ / أرمني وعقب اتفاقية أنقرة الثانية عام / ١٩٣٨/ التي تخلت فيها فرنسا عن لواء اسكندرون هاجر عشرات الآلاف منهم الى سوريا .

ومن المعلوم ان بلدة كسب ومنطقتها كانت قد ضمت الى تركيا بعدما تخلت فرنسا عن لواء اسكندرون الى تركيا، وكان للكاردينال أغا جانيان دور كبير في الضغوط الديبلوماسية التي مورست على فرنسا باعتباره رئيس مجمع انتشار الايمان، وكان الشخصية الثانية في دولة الفاتيكان ومن خلال هذه الضغوط أعيدت كسب الى حضن الوطن السوري بعد بقائها فترة سنتين تحت السيطرة التركية، وقد زار البطريرك آغا جانيان دمشق عام /١٩٥٥/ حيث قلده الرئيس شكري القوتلي وشاح أمية الكبير تقديراً واعترافاً بجهوده.

في ربيع /١٩١٥/ وصل الى دمشق المهجرون الأرمن في حالةٍ يرثى لها، وأقام العديد منهم في العراء الى جانب محطة القدم للقطار، ومع الوقت تسرب قسم منهم الى مدينة دمشق وتوزعوا على منطقتين الأولى بجوار باب شرقي على الطريق المؤدية الى الطبالة وإلى الشرق من معمل بوظة أمية وإلى الغرب من معمل ألبان دمشق وأقاموا فيها مخيماً عُرِفَ فيما بعد باسم (كمب ديكران) أما القسم الثاني فتوجه الى منطقة الزبلطاني وأقاموا فيها مخيماً آخر عُرِفَ باسم (كمب ختشير)

تمتع الأرمن بصفات الجدية والإتقان والصدق في العمل مما سهّل عليهم الإندماج في المجتمع الدمشقي، بل كان لهم الفضل في ترقية بعض الحرف أو إدخال حرف جديدة لم يكن يعرفها السوق الدمشقي، واشتهر منهم الكثيرون.

 

١–  أعمال الإنشاءات والمقاولات:  لا يمكننا إلا أن نذكر شركة (يعقوبيان للمقاولات والإنشاءات) التي أسسها الأخوان نظريت وأواديس يعقوبيان اللذين تعود أصولهما الى مدينة مرعش ، في بداية حياتهما عملا في تجارة الدخان والحطب ، وكانت باكورة أعمالهما في الإنشاءات شق طريق شارع بغداد عام / ١٩٢٤/ وبعدها تتالت أعمالهما التي تميزت بالدقة والحرفية العالية ومن هذه الأعمال : إنشاء مبنى رئاسة جامعة دمشق عام /١٩٢٨/ إنشاء مبنى مشفى المزة العسكري عام /١٩٣٠/ إنشاء مبنى وزارة المواصلات عام / ١٩٤٣/ إنشاء مبنى البرلمان عام /١٩٤٤/ إنشاء مبنى شركة الخماسية عام /١٩٤٥/ إنشاء مبنى القصر العدلي عام / ١٩٤٧/ شق وتعبيد شارع ابو رمانة عام / ١٩٤٧/ انشاء مبنى فندق سميراميس وسينما العباسية عام / ١٩٤٩/ شق وتعبيد شارع المالكي عام /١٩٥٣/ إنشاء ساحة الأمويين عام /١٩٥٦/ شق وتعبيد الطريق الواصل بين مشفى المواساة والبرامكة عام /١٩٥٩/ شق وتعبيد أوتوستراد المزة عام /١٩٦٧/ وجميع هذه الأعمال كانت في مدينة دمشق والتي ساعدت في تغيير ملامحها أما أعمالهما على مستوى الجمهورية فكثيرة جداً ولا مجال لتعدادها الآن ، وبعد وفاة الأخوين المؤسسين تولى الأبناء متابعة عمل المؤسسة، ومن أعمالهم في دمشق بناء مشفى الأسد الجامعي عام /١٩٨٧/ وبناء نصب الجندي المجهول في قاسيون عام /١٩٩١/ بالتعاون مع المهندس المعمار كارنيك كشيشيان .

٢التصوير الضوئي: يعتبر الأرمن هم أول من أدخلوا تقنية التصوير الضوئي الى منطقة الشرق الأوسط، وامتلكوا ناصية هذه المهنة بشكل مطلق وسيطروا عليها لفترة طويلة.

إن اول دخول لهذه التقنية الى المنطقة كان عام /١٨٣٩/ من خلال إدخال آلة التصوير من نموذج داكر الى دمشق عن طريق الفرنسي فريدريك غويل فيسكسيه ، وفي العام نفسه تم التقاط أول صورة ضوئية لحاكم مصر محمد علي باشا، وظل التصوير حكراً على الأجانب حتى عام /١٨٦٠/ عندما افتتح الكاهن يسايي قره بيتيان أول مدرسة لتعليم التصوير وكان من طلابه الأخوة كولبيك الذين عملوا في دمشق وحلب وبيروت، وبعد عام /١٩١٥/ توافد عدد من المصورين الأرمن الى دمشق وانقسموا إلى قسمين ، قسم كان يتجول بين المدن والقرى حاملاً كاميرته على ظهره ، وكانوا يعرفون باسم المصور المائي ومن أشهرهم هايك توماجيان بشارع الفردوس وفاهرام داغليان وهوفانيس بغداديان وارتين فيزويان في شارع النصر ، والقسم الثاني أسسوا استديوهات تصوير ومن أشهرهم استوديو آزاد بشارع الفردوس ( الذي أصبح المصور الخاص لكل من الزعيم حسني الزعيم والعقيد الشيشكلي والرئيس ناظم القدسي والفريق أمين الحافظ والرئيس حافظ الأسد ) واستوديو فوتو ستار بشارع فؤاد الأول واستوديو كاربيس بالجسر الابيض واستوديو دنيا بطلعة المحافظة ومن منا لا يوجد بألبوم صوره أسماء هؤلاء وغيرهم كثيرون احتكروا وطوروا فن التصوير وتعلم على ايديهم الكثير من الشباب الدمشقي الذين استقلوا عنهم فيما بعد ، كما أنهم احتكروا استيراد أجهزة التصوير ومستلزماتها  وخاصةً استوديو بردى واستوديو ستار واستوديو هايك ، أما المصور ابراهام شاهينيان فقد كان أول من انتج البطاقات البريدية الملونة في سوريا وعن سوريا.

وأشتهر الأرمن أيضاً بمهنة البصريات وتجارتها فكانوا هم أوائل من افتتحوا محلات لبيعها وصيانتها ومن أشهرهم أرتور خوشماتيان من أرمن خربوط وافتتح محله مقابل شركة الكهرباء كما اشتهر جوزيف ميلكيان في محله القائم في شارع الصالحية وهرانت سولاهيان في محله الكائن في طلعة المحافظة وغيرهم

٣أعمال الميكانيك: وهي من المهن التي أتقنها الأرمن و خاصةً أنهم دخلوا سوريا في وقت دخول المحركات الميكانيكية إليها فكانوا هم المتخصصين الأوائل في أعمال صيانتها ومن ثم تطور عملهم الى تصنيع هياكل الشاحنات والقاطرات واشتهر منهم المعلم كريكور ايجوريان في طلعة التجهيز والمعلم ملكي دلاليان والأخوة بويادجيان الذين طوروا عملهم وصاروا يصنّعون هياكل باصات سكانيا وڤولڤو وأيضاً أبراهام خبويان الذي قام بتصنيع هياكل سيارات اللاندروڤر وجاز٦٩ وهياكل ميكروباصات فيات ، أما في أعمال الصيانة فنستطيع القول أنهم من أبرع معلمي الميكانيك وما زالوا ، وقد إختص كل واحد منهم بنوع معين من السيارات أو المحركات ، كما برعوا أيضاً بأعمال الخراطة الميكانيكية وسكب المعادن بكل دقة وحِرٓفية عالية، ولا يوجد معلم ميكانيك في دمشق الا كان قد تعلم هذه المهنة على يد احد المعلمين الارمن .

٤الصناعات الغذائية: أدخل الأرمن منذ قدومهم صناعة بعض أنواع الخبز، وكان أرمن ديار بكر مشهورين بصناعة الخبز المنقوش ، كما اشتهر أرمن صاصون في صنع الخبز المرقد ، وفي العشرينات أسس هماياك طوروسيان مخبزاً في سوق العتيق لانتاج الخبز الصمون واستمر إبنه نوبار في تطوير المهنة عندما إفتتح فرناً عصرياً في باب توما في بداية السبعينات  لإنتاج الخبز الفرنجي ولا يوجد بيت في دمشق لم يأكل من هذا الفرن.

وفي عام /١٩٢٢/ أسس هاروتيون نجاريان أول معمل للمياه الغازية ثم أضاف إبنه مانوك تصنيع أنواع جديدة من منكهات العصير الجاف، وأسس هوڤانيس جيڤانيان أول معمل لانتاج الأغطية المعدنية لعبوات المياه الغازية

٥الصناعات الجلدية: أسهم الأرمن بشكل ملحوظ في تطوير صناعة الأحذية، وهم الذين أدخلوا صناعة الحذاء الرجالي والسكربينة النسائية بموديلاتها الحديثة، الجاهزة والتفصيل ، واشتهر منهم المعلم ملكون الذي يعتبر شيخ الكار ومحله في طلعة الحجاز مقابل سينما العباسية وكان مقصداً لعليّة القوم ،منهم الرئيس شكري القوتلي وسعد الله الجابري وخالد العظم  واشتهر أيضاً أواديس سمرجيان و أرتين باشايان واحذية لاما وجميعهم في شارع الصالحية ، وفي بداية الخمسينات اشترى السيد جورج بورنزسيان  من السادة ( شاهين وحلاق والزالق ) معملاً آلياً لانتاج الأحذية فشلوا في تشغيله ، وبدأ بإنتاج أنماط جديدة لم تكن معروفة من قبل، كالأحذية الكتانية وأحذية النعل المطاطي ( باغا ) واستعمال المواد اللاصقة بدلاً عن المسامير ، وسرعان ما تعاقدت ( شركة باتا العالمية ) معه لشراء انتاجه كاملاً، وفي الستينات قام آل النشاوي بالتعاون مع مجموعة من الارمن بتأسيس معمل الأحذية المطاطية ، وأختص الأرمن أيضاً بصناعة كافة مستلزمات صناعة الأحذية ، ونستطيع أن نقول أن صناعة الأحذية هي أرمنية بامتياز.

٦صناعة النسيج والسجاد: يعتبر السيد الياس قدسي أول من أدخل الصناعة الآلية لكافة أنواع الأقمشة ، عندما أنشأ معملاً آلياً في منطقة الزبلطاني في الثلاثينات وعُرِفَ باسم معمل القدسي للقماش، وقد كرمته الحكومة بإطلاق إسمه على إحدى المدارس في القيمرية، أما السيد ديكران استبانيان فقد أدخل تقنية رسوم ( الجاكار ) على كافة أنواع الأقمشة فظهر الدامسكو والكشمير والحرامات القطنية الملونة وغيرها ، وأصبح هو المرجع لكل العاملين في هذه المهنة ، أما الأسطة هوڤانيس بارصوميان من أرمن عينتاب فقد برع في تطوير وانتاج البسط في خان مدحت باشا ووصل انتاجه الى الأسواق اللبنانية وفلسطين والأردن وأصبح البساط الدمشقي مشهوراً ومرغوباً.

٧اعلانات النيون: في الخمسينات ظهرت فكرة لمبات النيون في امريكا واستعمالها بالإعلانات التجارية، ويُعد السيد ساهاك فوسكيان من مرعش أول من نفذها في دمشق في محله الكائن بجانب شركة الكهرباء المشهور باسم (إعلانات وسكي) وبدأ الدمشقيون يشاهدون الإعلانات الملونة والمضيئة على واجهات دور السينما وفوق الأبنية والمحلات التجارية.

مما لاشك فيه أنه قد يكون من حظ مدينة دمشق وهي على أعتاب دخولها الى عصر جديد ، أن جاءها الأرمن في الوقت المناسب ، وساعدوها في هذا الدخول بما ملكوا من مهارات ومعرفة وسعة إطلاع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق