ملفات خاصة

إعادة بناء أم إعادة إعمار

| م. مالك محاسن

جهات عدة عقدت المؤتمرات وكتبت المقالات في سبيل شرح وجهة نظرها في الاسس الواجب أخذها بعين الإعتبار في عملية إعادة إعمار سورية .

وأغلب هذه المؤتمرات والمقالات تناولت الموضوع من وجهة نظر اقتصادية بحتة ولم تطرح الأسئلة التي من واجب كل عمراني ومعمار أن يطرحها ويجيب عليها وذلك في سبيل تكوين نظرية ورؤيا إجتماعية وفلسفية واقتصادية لأهداف الإعمار .

فإعادة الإعمار كما نرى لاتنحصر في مراعاة الحالة الإقتصادية والكلفة فتصبح العملية ما هي إلا ترميم ما تهدم . وبنفس الوقت لا يجب أن تكون صرخة حداثية تُخرج العملية من فضائها الإجتماعي والبيئي والإقتصادي .

وأول سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا : هل كان ما قمنا به في الاعوام الماضية هو عمران صحيح ويجب علينا الآن ترميمه والحفاظ عليه ؟ مع العلم أن هذا السؤال يتضمن كل الأسئلة التي من واجب العمرانيين والمعماريين وعلماء الإجتماع والإقتصاد أن يطرحوها ، لتكوين رؤية واضحة نُعيد بها تكوين أنفسنا ومجتمعنا من خلال إعداد مخططات ودراسات نراعي فيها بدهيات العمران وهي البيئة والجغرافية والتاريخ والعادات ونوع الإقتصاد والتنمية المستدامة والطاقة البديلة ، هذه الأسئلة التي كان من المفروض أن نُجيب عليها من البداية ، ولكن للأسف كانت الإدارات المتعاقبة لاتعطي هذه الأسئلة الأهمية الكافية والمطلوبة ، وذلك لعدة أسباب .

  • أولها : حشر نفسها أي الإدارة تحت مطرقة الحاجة الى التوسع العمراني لتلبية حاجة التوسع السكاني الطارئ ، وأيضاً بسبب غلبة القرار السياسي على القرار الفني والأكاديمي .
  • وثانيها : إنتشار أذرع الفساد ومشاركتها لتجار بناء ميزتهم الوحيدة أنهم يملكون المال ولكنهم يفتقدون الحس الجمالي والوطني .
  • وثالث هذه الأسباب غياب المعماريين وعلى رأسهم نقابتهم سواء كانوا يعملون في مكاتبهم الخاصة أو موظفين في الإدارات العامة وعدم إصرارهم على ممارسة دورهم في العمران ، بل أنهم إرتضوا لإنفسهم دور التابع تحصيلاً للقمة العيش .
  • ورابع هذه الأسباب هو نظرة الإدارة الى كيفية تطوير الريف فسارت بإتجاه معاكس ، أي أنها حاولت تمدين الريف عن طريق ترييف المدن ، فاختفى الريف الذي هو دائماً الحديقة الخلفية للمدن ولولاه لما كانت هناك مدن واكتظت المدن بأفواج من البشر بحثاً عن العمل .
  • وخامسها: وهو أهمها إتباع سياسة التعميم التي لم تأخذ بعين الإعتبار خصوصية كل مدينة أو أية قرية ، وإن عدم الأخذ بعين الإعتبار لهذه الخصوصيات كانت وبالاً على نسيج المجتمعات الصغيرة والكبيرة ، فعوملت سوريا وكأنها وحدة متجانسة ومتشابهة في كل المجالات ، وهذا ما يخالف الواقع .

أما من أين نبدأ . فهذا سؤال الإجابة عليه تتفرع الى عدة مسارات يجب أن تتساوق مع بعضها .
المسار الأول : توفير الأمن والأمان ، ونقصد بذلك البنية والمنظومة القانونية ، فبدونهما لن يكون في بلدنا لا عمارة ولا عمران ، فالأمن والأمان هما اللبنة الأولى لبناء إقتصاد مستمر ومجتمع مستقر ، فلا الفلاح سيبقى في أرضه ولا تاجر سيغامر بماله ولا مستثمر سيطور صناعته إذا لم يشعروا جميعاً أنهم وأموالهم وأعمالهم في أمان ، فالمصورات التنظيمية ليست فقط شوراع وأبنية بل هي في الأساس مخططات ترتسم عليها حدود الحقوق والواجبات وتحقق التوازن في المصالح ولهذا لا يجب تعديلها أو التلاعب بها إلا بطريقة يُحافظ فيها على التوازن بالمصالح ، أي يجب التقيدالصارم بعامل استثمار الأراضي واستعمالاتها ، وليس لأحد صلاحية تعديلها وخاصة المجالس المحلية لأن البرامج والأسس التخطيطية هي من السياسة المركزية، وهذا يتطلب منا أن نشجع على بناء دولة القانون بل على دكتاتورية القانون وحيادية الإدارة بتعاملها مع الناس ، قانون يُؤٓمّن ويحمي الحقوق والممتلكات من القرارات المفاجئة وبعض الأحيان الكيدية ، وهذا يعود بنا الى أساس مفهوم السلطة وحدودها في مجتمعاتنا .

المسار الثاني : تحديد عناصر القوة في إقتصادنا ، فلقد مرت سوريا في تجارب مختلفة ، فشلت جميعها لأنها كانت مرتجلة أو تطبيقاً لسياسات نابعة من أيديولوجيا لم تتوافق مع تركيبة مجتمعنا وإقتصادنا ، وخاصةً أن الإقتصاد الحديث قد تحرر من كل النظريات المقيدة إلا من نظرية دفع الفرد الى أقصى ما يمكن له فعله ، مع الإبقاء على دور الإدارة في حماية المجتمع بمنع التغول والتعدي . فما هي عناصر القوة في إقتصادنا ؟

برأينا أن سوريا تتمتع بثروة آثارية قل نظيرها، وتغطي أراضيها طبقات من التاريخ تحكي قصة الإنسان وإنتقاله من طور البدائية والكهوف إلى طور الإستقرار والتوطن والزراعة والتجارة وصولاً إلى الرسالات السماوية التي رسمت للإنسان طرق الحياة الفردية والمجتمعية وحدودها بنظام أخلاقي قد لا يكون من بعده نظام ، وقد تكون السياحة بشتى أشكالها ،الدينية والترفيهية والتاريخية والطبيعية والبيئية هي أهم قطاع جالب للأموال فيما إذا عرفنا كيف نستثمره ، وهيأنا له البنية التحتية الملائمة ، خاصةً وأن هناك مدن وقرى ميتة بسبب صعوبة الزراعة فيها وتفتقر أيضاً الى تراث حرفي يمكن أن يُنمٓى إلى صناعة حديثة قادرة على المنافسة ، ولهذا يجب تقسيم البلاد إلى قطاعات سياحية متخصصة وتزويدها بالخدمات اللازمة والملائمة لها.

أما ما علاقة إعادة الإعمار بذلك ، فنقول إن لكل قطاع سياحي له خدماته وطقوسه التي تختلف عن قطاع آخر. فمناطق السياحة الدينية أو التاريخية والمدن المنسية ، ليست بحاجة الى فنادق ذات الخمسة نجوم وملاهي وساحات وشوارع ، بل هي بحاجة الى أبنية إيواء وخدمات تحاكي التاريخ والحياة الطبيعية في تلك المنطقة ، وبالتالي فإن المخططات التنظيمية لها يجب عليها تبنّي نمط البناء التقليدي فيها لتكتمل الصورة عند الزائر ويعيش تللك التجربة بكل تفاصيلها ، وبهذا نكون أيضاً ساعدنا أهل المنطقة في البقاء على نمط حياتهم الذين تعودوا عليه ولم نجبرهم على الإنسلاخ من جلدتهم .

أما الزراعة وهي العماد الثاني في إقتصاد البلاد، ولكن يجب أن يؤخذ به كمنتج ونشاط استراتيجي لحماية الدولة والمجتمع وليس كقطاع جالب للأموال فقط ، لأن تحقيق الأمن الغذائي هو من صُلبِ سياسة تحقيق الأمن والأمان ، ولايتم ذلك إلا بترسيخ فكرة أن الفلاح هو تماماً كالجندي الذي يحمي حدود الوطن ، وهذا يتطلب منا إحترام خصوصيته في طريقة عيشه وتركه يبني بيته على طريقته وضمن محددات قانونية وتنظيمية ، ولقد رأينا الفشل الذريع الذي وقعنا به عندما فرضنا عليه طريقة في البناء لا تتوافق مع ما اعتاد عليه ، فالفلاح يجب أن يعيش في أرضه ومع ما يربيه من دواجن الطيور والماشية ، إنه ملكٌ في أرضه ولا يستطيع العيش في بناء طابقي بل هو لا يملك ثقافتها ولا يحبذها .

لانريد الدخول في كل تفاصيل الإقتصاد الإجتماعي ، بل جل ما نريد قوله هو الحفاظ على طرق وأساليب الحياة عند كل شريحة من المجتمع وأن نمنع إنسلاخهم عن ما اعتادوه ، والمطلوب منا شيئ واحد فقط هو تأمين الخدمات اللازمة له للبقاء في أرضه وفي قريته وأن نُنـمي فيه الشعور بالفخر لأنه ينتمي إليها، وإلا سيصبح كالجندي الذي ترك موقعه لأننا لم نحترم حياته .

المسار الثالث : هو الإجابة على السؤال المهم ، من نحن ، وكيف ننظر الى أنفسنا ؟ هل نحن مجموعة من الناس لها تراكم تاريخي صنعه كل أبناء المنطقة عبر العصور وانتهى دورها ، أم إننا مازلنا نريد أن نبقى ونستمر من خلال إندماجنا في المجتمع العصري بعد أن نحقق الإندماج الوطني، وبناء حداثة حقيقية خاصة بنا نابعة من مفهومنا للحياة وبالتالي تحديد المصالح المشتركة لمجتمع متعدد الجماعات ، أي يجب علينا إيجاد الطرق والسبل لنجعل من التاريخ ممولاً رئيساً لصناعة المستقبل ، ويكون ذلك بتنمية الثقة بالنفس للشفاء من حالة إزدواجية الشخصية التي يعيشها مجتمعنا ، فلا ينفع أن نضع رجلاً في البور ورجلاً في الفلاحة كا يقول المثل الشعبي ، بل يجب علينا أن نحسم موقفنا من الحداثة وما بعد الحداثة ، على أنها أسلوب حياة لا يتعارض مع الدين أو العادات ، وإنما هي خروج الفرد وبالتالي المجتمع من القوالب الجامدة ، والإنطلاق في فضاءات الحياة الرحبة ، الحياة المتجددة والمتطورة دائماً ، والحداثة لاتعني أبداً إلباس هيكل قديم لباس حديث، بل هي إعتراف بالزمان وتغييراته ومتطلباته وهي ايضاً إعتراف بحرية وطاقات وخصوصية الفرد ولكن ضمن حياة تشاركية مع الآخرين ، الحداثة هي الكل في خدمة الفرد والفرد في خدمة الكل وهذا ما يجب أن يظهر على المخططات التنظيمية العمرانية والمعمارية ، التي يجب أن تتحلى بالمرونة اللازمة لتطويرها لتتلاءم مع شروط الحياة المتغيرة ، وكما يجب عليها أن تحمي الخصوصية فإنها يجب عليها أن تُؤٓمّن وتُنَمّي التشاركية التي نفتقدها في حياتنا اليومية، وكل ذلك لن نصل إليه إلا بإعطاء العمارة والعمران الفرصة ليقوما بدورهما في تطوير المجتمعات الإنسانية ، وايضاً إتاحة الفرصة للناس في المشاركة في إختيار نمط وشكل الحياة التي يرغبونها ، فلا أحد يملك الحق في الفرض على الآخرين نمط وأسلوب حياتهم . إن البحث عن أجوبة لهذه المسارات الثلاث يتيح لنا الفرصة في استنباط نظرية عمرانية معمارية خاصة بنا ، تساعدنا في ؛

أولاً : على الخروج من التقليد النمطي والأعمى لعمران وعمارة لا تشبهنا ولا تتلاءم مع ظروفنا وعاداتنا، عمارة وعمران أصابانا كما ذكرنا بمرض إزدواج الشخصية ، وبتنا نعيش في قلق دائم لا نعرف سببه ولا مصدره ، ونحن ننسى دائماً أن الإنسان إذا ارتدى معطفاً ليس على مقاسه أو على ذوقه فإنه بالطبع قد يكون ستر نفسه ولكنه سيبقى دائما قلقاً وغير مرتاح ، وهذا سيظهر في تصرفاته القلقة والخائفة دائماً، فلا تُلبِسونا ثوباً ليس لنا ، ولنتذكر دائماً أن أوروبا تهدمت كلها والحداثة انطلقت منها ومع ذلك لم تخرج من ثوبها.

ثانياً : تُحدد لنا في عملية إعادة الإعمار الأماكن الواجب هدمها ولو كانت سليمة والأماكن الواجب تطويرها وترميمها بشكل يحقق ما قلناه سابقاً ، فبلدات الغوطة الشرقية في دمشق يجب أن تعود الى نظامها الزراعي وبيوتها الريفية وبلدات الغوطة الغربية الى وظيفتها الزراعية والسياحية ولكن بشكل لايتعدى على الأراضي الزراعية وذلك بالصعود الى المناطق الجبلية والإستغناء عن نظام الأبنية الطابقية التي لاتمت للسياحة ولا للترفيه عن النفس بأي صلة ، وبلدات القلمون الشرقي ايضاً يجب أن نُنمي دورها السياحي الديني وإعتماد نظام بناء يراعي خصوصيتها التاريخية والدينية ، فكم هو جميل أن يعيش فيها الزائر الحياة المسيحية الأولى ، ولنتصور مدى قبح الحياة في صيدنايا أو معلولا بأبنية طابقية من البيتون وكأنها قطعة من حي الزاهرة في دمشق ، ألا نكون بذلك قد أفقدناهما روحهما وعطلنا وظيفتهما ، والساحل ايضاً ببحره وجبله الى دوره السياحي الترفيهي، وسهول حلب وحماه والجزيرة إلى دورها في الزراعة وتربية الماشية مع تنمية الأماكن السياحية المنتشرة في كل سوريا وهذا الكلام يجب أن يُترجم بمخططات تنظيمية وخطط تنمية تراعي كل ما قلناه سابقاً حتى لو تطلب الأمر أن نُعيد هيكلة كل المدن والقرى ، قد تكون الكلفة مرتفعة ، ولكن أن نعود الى جادة الصواب الآن ونستغل هذه الفرصة المتاحة لتصحيح أخطاء إرتكبناها إنما هو وبشكل أكيد أوفر بكثير من أن نبني على هذه الأخطاء ، ويجب أن تكون المعادلة التي ستحكم أعمالنا هي ، هل نريد أن نربح سوريا أم أننا نريد أن نربح بعض المال . ولن يكون عيباً فينا إذا اعترفنا بأننا أخطأنا ، وإننالا نريد أن نخسر سوريا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوى الموقع محمي !!
إغلاق
إغلاق